المقريزي
215
إمتاع الأسماع
فيكون طيرا بإذن الله ، وكان لنبينا [ صلى الله عليه وسلم ] ( 1 ) نظير ذلك . فإن عكاشة انقطع سيفه يوم بدر ، فدفع له رسول الله صلى الله عليه وسلم قضيبا من حطب ، قال : قاتل بهذا ، فعادل سيفا في يده شديد المتن أبيض الحديدة طويل القامة فقاتل به ، حتى فتح الله على المسلمين ، ثم لم يزل يشهد به المشاهد إلى أيام الردة . فالمعنى الذي أمكن به نبينا أن تصير الخشبة حديدا يبقى على الأيام ، هو المعنى الذي خلق به عيسى من الطين كهيئة الطير ، بل ذلك أعظم وأبدع ، فإنه لم يعهد قط أن الحديد يخرج من الخشب ، وقد عهد أن الحيوان يتكون من الطين . وأيضا فإن هذا الحديد القاطع الذي تولد من الخشب بقي أعواما كثيرة ، ولم ينقل أن الطير الذي خلقه عيسى من الطين بقي لذلك ، ومع هذا فقد سمع التسبيح من الحجارة الصم في يد نبينا صلى الله عليه وسلم ، وشهدت الأشجار والأحجار له بالنبوة ، واجتمعت الأشجار والتزمت ثم افترقت عن أمره لها ، وكل هذا يجانس إحياء الموتى ، وطيران الطيور من الطين كهيئة الطير . وقد كان عيسى يبرئ الأكمة والأبرص ، ولنبينا صلى الله عليه وسلم مثل ذلك ، فقد رد عين قتادة بعد ما ندرت وسالت على خده ، ونفث في عيني رجل قد ابيضتا فأبصر ، وبصق في عين رفاعة بن رافع وقد فقئت عينه بسهم فلم يؤده منها شئ ، وتفل في عين علي رضي الله عنه وهو أرمد فبرئ من ساعته وما اشتكى عينيه بعد ، ومسح صلى الله عليه وسلم بيده على عدة من المصابين والمرضى فبرءوا . وقد كان عيسى يحيي الموتى بإذن الله ، ولنبينا من هذا المعنى ما هو أعجب وأغرب ، فقد أحيا شاة جابر ، وأحيا الله تعالى لامرأة ولدها ببركته ، [ وكلمته ] ( 2 ) صلى الله عليه وسلم ذراع الشاة [ المسمومة ] ( 2 ) ، وتكليم الذراع أغرب ، لأن حياة العضو المبان وتكليمه أعجب من حياة الذات الكاملة ، لأن الحياة عهدت منها ، وقد تكلم جماعة بعد الموت بخلاف العضو من الحيوان ، لا سيما بعد طبخه بالنار .
--> ( 1 ) زيادة للسياق . ( 2 ) زيادة للسياق والبيان .