المقريزي
216
إمتاع الأسماع
وقد كان عيسى يخبر بالغيوب ، وينبئ قومه بما يأكلون في بيوتهم ويدخرونه ، ونبينا صلى الله عليه وسلم له في هذا المقام الذي لا فوقه : فإن عيسى إنما كان يخبر بما كان من وراء جدار ، ونبينا كان يخبر بما كان منه بمسيرة شهر وأكثر ، كإخباره بموت النجاشي ، وبقتل زيد وجعفر وابن رواحة في مؤتة ، وكان يأتيه السائل ليسأله عن شئ فيقول له : إن شئت أخبرتك بما جئت تسأل عنه أو تسأل فأخبرك ؟ فيقول : لا بل أخبرني فيخبره بما في نفسه . وأخبر عمير بن وهب الحمجي بما تواطأ عليه هو وصفوان بن أمية لما قعدا بمكة في الحجر في الفتك به صلى الله عليه وسلم بعد مصاب أهل بدر . وأخبر عمه العباس لما أسر ببدر وأراد أن يفاديه فقال : ليس لي مال ، فقال : أين مالك الذي أودعته أم الفضل لما أردت الخروج وعهدت إليها فيه ؟ . وبعث عليا والزبير إلى سارة ، وقد حملت كتاب حاطب إلى أهل مكة فأخرجاه منها ، وقال لعبد الله بن أنيس لما بعثه إلى الهذلي بوادي عرفة : إذ رأيته هبته ، وأطلعه الله في منصرفه من تبوك على موضع ناقته وقد ضلت . وأخبر بموت كسرى في وقت قتله ، وأخبر صلى الله عليه وسلم بأشياء قبل كونها فوقعت كما قال ، وبشر بما يجري على أمته بعد موته ، فكان مثل ما وعد به ، فمما أخبر بكونه : قول الله تعالى : [ وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله ] ( 1 ) ، فكفاه الله ووفاه ما وعده من نصره ، وأباد المستهزئين . وقوله تعالى : [ قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم ] ( 2 ) ، فكان كما وعده الله ، غلبوا وقتلوا ، ويحشرون إلى النار . وقوله تعالى : [ ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون ] ( 3 ) ، فكان كما وعده .
--> ( 1 ) البقرة 137 . ( 2 ) آل عمران : 12 . ( 3 ) آل عمران : 139 .