المقريزي
206
إمتاع الأسماع
وأما هارون عليه السلام فإن الله تعالى وصفه بفصاحة اللسان فقال : [ هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا ] ( 1 ) ، وقد علم أن لغة العرب أفصح اللغات ، ولنبينا محمد صلى الله عليه وسلم من الفصاحة ما يعرف من مارس كلامه ، أنه أوتي فيها [ أعلى ] مقام ، لم يصل إليه أحد من قبله وقد شارك هارون مع ذلك فيما ناله من بني إسرائيل ، فإنه لما خلف موسى عليه السلام فيهم عندما توجه لميقات ربه ، افترقوا وتحزبوا ونقضوا العهد ، واستضعفوه وهموا بقتله ، وعبدوا العجل فلم يقبل توبتهم حتى قتلوا بعضهم بعضا ، كما قص الله تعالى ذلك في كتابه العزيز ( 2 ) ، فلقي نبينا صلى الله عليه وسلم نظير ذلك من بني قريظة والنضير وقينقاع ، فإنهم نقضوا العهد وحزبوا الأحزاب ، وجمعوا وحشدوا ، وأظهروا له العداوة بعد ما هموا بإلقاء الرحي عليه ، لما أتاهم يستعين بهم في دية بعض أصحابه ، فقام صلى الله عليه وسلم بحربهم ، وقتل مقاتلهم وسبى ذراريهم ، وقسم أموالهم ، فكان نظير استضعافهم لهارون استضعافهم للنبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب ، حتى لقد قال قائلهم : محمد يخندق على نفسه وأصحابه ، ولا يستطيع أحدهم الخروج إلى الغائط ، وهو يعدهم بملك كسرى وقيصر ، فكان المسلمون كما قال تعالى : [ وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ] ( 3 ) ، حتى أيده الله بجنوده ، وجعل العاقبة له على اليهود والأحزاب ، كما هو مذكور في موضعه من هذا الكتاب ( 4 ) . * * *
--> ( 1 ) القصص : 34 . ( 2 ) في سورتي الأعراف وطه . ( 3 ) الأحزاب : 10 . ( 4 ) راجع أبواب المغازي .