المقريزي
207
إمتاع الأسماع
وأما داود عليه السلام فخصه الله تعالى بتسبيح الجبال معه ، قال تعالى : [ ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه ] ( 1 ) ، وقال تعالى : [ واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب * إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق * والطير محشورة كل له أواب ] ( 2 ) ، فسخر الله تعالى الجبال والطير له بالتسبيح ، وقد أعطى الله نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم مثل ذلك من جنسه وزيادة ، فسبح الحصا في كفه ، وفي يد من صدقه واتبعه رفعة لشأنه وشأن مصدقيه ، وقد سخرت الطير والبهائم العظيمة كالإبل والسباع العادية الضارية لنبينا صلى الله عليه وسلم ، كسجود البعير الشارد له ، والذئب الذي نطق بنبوته ، وقد همهم الأسد لسفينة مولاه لما مر به ودله على الطريق ، وأخذ الطائر خفه صلى الله عليه وسلم وارتفع به ثم ألقاه ، فخرج منه أسود سالخ ؟ ؟ وقد أوردت ذلك كله بطرقه . وألين لداود عليه السلام الحديد ، حتى سرد منه الدروع السوابغ ، وقد لانت الحجارة وصم الصخور للمصطفى صلى الله عليه وسلم ، فعادت له غارا استتر به من المشركين يوم أحد [ و ] ( 3 ) ، مال برأسه إلى الجبل ليخفي شخصه عنهم ، فلين الله تعالى له الجبل حتى أدخل [ رأسه ] ( 3 ) ، وهذا أعجب ، لأن الحديد تلينه النار ، ولم نر النار تلين الحجر . قال أبو نعيم : وذلك بعد ظاهر باق يراه الناس ، وكذلك في بعض شعاب مكة حجر أصم استروح صلى الله عليه وسلم في صلاته إليه ، فلان له الحجر حتى أثر فيه بذراعيه وساعديه ، قال أبو نعيم : وذلك مشهور يقصده الحجاج ويرونه ، ولانت الصخرة ببيت المقدس ليله أسري به كهيئة العجين ، فربط [ بها ] ( 3 ) دابته البراق ، ويلمسونه الناس إلى يومنا هذا باق . قاله أبو نعيم . وكان داود عليه السلام حسن الصوت ، بحيث بات عدة ممن سمعه وهو يقرأ الزبور على ذكر ، وقد شبه نبينا صلى الله عليه وسلم صوت أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى
--> ( 1 ) سبأ : 10 . ( 2 ) ص : 17 - 19 . ( 3 ) زيادة للسياق والبيان .