المقريزي

199

إمتاع الأسماع

السجن أحب إلي مما يدعونني إليه ] ( 1 ) ، وكذلك ابتلي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بالسجن في الشعب وضيق عليه فيه أشد الضيق مدة ثلاث سنين ، حتى صنع الله بكيد أضعف خلقه وتسليطها على صحيفة مكر قريش التي عقدوها في قطيعته صلى الله عليه وسلم ، فكان لنبينا من ذلك ما لم يكن ليوسف عليه السلام ، لأن يوسف كانت محنته بالسجن من أجل أن امرأة العزيز دعته إلى نفسها فاستعصم ، وكانت محنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإلجاء إلى الشعب قطيعة من ذوي رحمه لأنه دعاهم إلى توحيد الله تعالى ، وترك عبادتهم الأصنام ، وشتان بين هذين المقامين من البون . وعلم الله يوسف من تأويل الأحاديث - يعني عبارة الرؤيا - ولم يقص تعالى عنه سوى تعبير ثلاث منامات ، ونقل عن نبينا من ذلك شئ كثير جدا ، مما رآه ومما عبره لغيره فجاء كفلق الصبح . ومكن تعالى ليوسف في الأرض - يعني أرض مصر خاصة - ونبينا مكن الله له ولأمته في الأرض كلها ، وملك يوسف أهل مصر في زمن الغلاء ، وقد ملك نبينا [ صلى الله عليه وسلم ] يوم الفتح جلة العرب وصناديد الحجاز وسماهم الطلقاء ، فأحرز صلى الله عليه وسلم خصائص يوسف عليه السلام وزاد عليها ، ولهذا ترقى عليه ليلة الإسراء ما شاء الله . * * *

--> ( 1 ) يوسف : 33 .