المقريزي
200
إمتاع الأسماع
وأما موسى عليه السلام فإن الله تعالى أيده بالعصا ، واليد البيضاء ، وتفجير الماء من الحجر ، وقال تعالى : [ وقربناه نجيا ] ( 1 ) ، ومقام المصطفى صلى الله عليه وسلم في المناجاة أرفع ، فإن موسى عليه السلام ، إنما سمع الكلام والمناجاة على الطور ، ومحمد صلى الله عليه وسلم سمع الكلام وقد أسرى به والملأ الأعلى فضله على الأرض . فأما العصى الخشب الموات فإنها تصير بإذن الله تعالى ثعبانا تتلقف إفك سحرة فرعون ، ثم تعود إلى معناها ، وخاصتها من مآرب موسى عليه السلام ، وقد أتى الله تعالى نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم أعجب من ذلك ، فإنه أشار بقضيب في يده يوم الفتح إلى الأصنام المشدودة بالرصاص شدا محكما إلى الكعبة فيما حولها ، وعدتها ثلاثمائة وستون صنما ، فكان إذا أشار إليها بالقضيب وقال : [ جاء الحق وزهق الباطل ] ( 2 ) سقط الصنم وتكسر جذاذا ، فكانت عصا موسى مسلطة على آلة آل فرعون ، وقضيب محمد صلى الله عليه وسلم سلط على ما اتخذته قريش آلهة ، وأين التسليط على الآلة ، من التسلط على الآلهة ؟ . وأيضا فإن الله تعالى قال عن موسى عليه السلام : [ يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ] ( 3 ) فسلط عصاه على ذلك التخيل ، وقضيب رسول الله صلى الله عليه وسلم تسلط على أمر حقيقي ، وأين الخيال من الحقيقة ؟ . وقد حن لنبينا [ محمد ] ( 4 ) صلى الله عليه وسلم الجذع اليابس ، وخار ، وهذا أعجب من حالات عصا موسى عليه السلام ، فإن موسى إنما جعل النبات حيوانا غير ناطق ، ونبينا [ محمد ] ( 4 ) صلى الله عليه وسلم جعل النبات حيوانا ناطقا ، فشارك موسى في قلب الأعيان على وجه أتم ، لأن الناطق أتم من غير الناطق ، وأبلغ في الأعجوبة إجابة الأشجار واجتماعها لدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دعاها ، ورجوعها إلى أمكنتها بعد أن أمرها . وكان من معجزات موسى عليه السلام ، أن يضرب بعصاه الحجر فينفجر منها اثنتا عشرة عينا بعدد الأسباط الاثنا عشر ، وقد أيد الله نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم من ذلك
--> ( 1 ) مريم : 52 . ( 2 ) الإسراء : 81 . ( 3 ) طه : 66 . ( 4 ) زيادة للسياق .