المقريزي
180
إمتاع الأسماع
وما أحسن فهم قيصر ملك الروم حيث يقول : ما كان ليترك الكذب على الخلق ويكذب على الله . ومع ذلك فقد أيده الله تعالى بالآيات المعجزات ، وما يمتنع عن قدر المخلوقين من براهين النبوة وأعلامها ، كسجود الإبل له ، وتسليم الصخور عليه ، وسعي الأشجار إليه ، وكلام الذئاب إياه ، وحنين الخشب الموات إلى قربه ، وانشقاق القمر حتى رؤي الجبل بين فلقتيه ، وإخباره بالأمور قبل وقوعها ، إلى غير ذلك مما سنورده إن شاء الله من الأحاديث التي تولاها أهل العدالة والصدق على روايتها ، خلفا عن سلف ، حتى ينتهي إلى من عاين المعجزات وشاهدها . فجرت عندنا لذلك معجزات رسول الرسول صلى الله عليه وسلم مجرى ما شاهدناه ورأيناه ، لتوفر دواعي الكافة ننقلها ، وكان من أجل أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم ما قصم به أعداءه في حياته ، وأبقاه الله حجة على معاندي الحق بعد وفاته ، وهو القرآن الذي تحدى العرب بأن يعارضوه في سورة أو سور فعجزوا . وذلك أن الله تعالى لما بعث موسى عليه السلام إلى قوم جل علمهم السحر ، أعطاه من جنس ما يدعون الحذق به : إلقاء العصا حتى تصير ثعبانا ، وإخراجه يده من جيبه بيضاء من غير برص ، فعارضوا ذلك بسحرهم فبطل عليهم ، ولم يصلوا به إلى إقامة الحجة على موسى . ولما بعث بعيسى عليه السلام إلى قوم عظم عملهم الطب ، أعطاه من جنس ما يدعون الحذق به : إبراء الأكمه والأبرص ، وإحياء الموتى ، فانقطعوا عن مقاومته . ولما بعث محمدا صلى الله عليه وسلم إلى العرب ، كان جل علمهم الشعر والسجع والرجز والنثر ، والافتنان في القول ، أعطاه من جنس ما يدعون الحذق به ، القرآن ، وقال لهم صلى الله عليه وسلم بلسان الإشارة : أنتم أرباب الفصاحة والبيان ، أعلم الناس بأفانين المنطق ، وأجناس القول : شعره وسجعه ، ورجزه ونثره ، فعارضوني بمثل سورة من القرآن الذي نزل بألفاظكم ، موفقا للسانكم ، لا يخالف لغتكم ، ولا يخرج عن معنى