المقريزي

181

إمتاع الأسماع

من كلامكم ، فرموه بحزوق شعرهم ، ومؤلف سجعهم ، وبديع نثرهم ، فما أحاطوا به تشبيها ، ولا قاربوه تأليفا ، حتى إنهم جعلوا يستروحون إلى أن يقولوا لصغارهم وأغبيائهم : هذا القرآن شعر ؟ وتقول طائفة أخرى : هو سحر ؟ ليعذروا في تأخرهم عن الجواب والمعارضة . هذا وقد علموا بأنه مخالف للسحر ، ومباين للشعر ، كما سنورده إن شاء الله بالأسانيد ، فهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل يقرعهم ويوبخهم بانقطاعهم وعجزهم ، فيقرأ عليهم قوله تعالى : [ أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ] ( 1 ) ، وقوله تعالى : [ أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ] ( 2 ) ، وقوله تعالى : [ وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين ] ( 3 ) ، قوله تعالى : قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ] ( 4 ) . وهم يألمون لما يسمعون من التوبيخ ، وقلقون لما يعلمون من وقوع الحجة بهم عند الاعتراف بالعجز ، فلما أبوا إلا عناد الحق ، دعاهم ذلك إلى القتال ، ولو وصلوا إلى أن يعارضوا لخصموا الرسول صلى الله عليه وسلم وظهروا عليه ، واستغنوا عن قتاله ، فلما صبروا للحروب وبذل النفوس ، والجلاء عن الديار ، وذهاب الأموال والأولاد ، كان في ذلك أعظم دليل وأوضح برهان على إعجاز القرآن للعالمين ، وامتناعه عن قدر المخلوقين . * * *

--> ( 1 ) يونس : 38 . ( 2 ) هود : 13 . ( 3 ) البقرة : 23 . ( 4 ) الإسراء : 88 .