المقريزي
140
إمتاع الأسماع
وأما الأدلة على صحة دين الإسلام وصدق نبينا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحدهما : أن محمدا صلى الله عليه وسلم ادعى النبوة وظهرت المعجزة على وفق دعواه ، وكل من كان كذلك كان رسول الله حقا ، فمحمد رسول الله حقا ، أما دعواه النبوة فمتواترة أيضا لو يدع النبوة لما كان لنزاع الخصم فائدة ، وأما ظهور المعجزة فلأنه أتى بالقرآن وهذا متواتر أيضا . وأما أن القرآن معجزة فلأنه تحدى البلغاء ، بل الجن والإنس بمعارضته على أبلغ الوجوه فقال : [ لئن اجتمعت الإنس ولجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ] ( 1 ) ، ثم زاد في التحدي فقال : [ فأتوا بعشر سور مثله مفتريات ] ( 2 ) ، ثم بالغ فقال : [ فأتوا بسورة من مثله ] ( 3 ) ، وعجزوا عن معارضته وإلا لم يقابلوه ، لأنه المعارضة أسهل . وأما أن كل من أتى بالمعجزة كان صادقا فلا نعلم يقينا أن الله تعالى سامع لدعواه ، وأن ما ظهر على يده خارج عن مقدور البشر ، فإذا ادعى الرسالة ثم قال : إلهي ، إن كنت صادقا في دعواي الرسالة فافلق البحر وشق القمر أو غير ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل ففعل ذلك عقيب سؤاله فعلمنا بالضرورة أنه صدقه في دعواه . كما أنا نقطع بأن رجلا لو قال لقوم : أنا رسول فلان الملك إليكم ، ودليل صدقي أنه يخرق على عادته الفلانية لأجلي ، مثل أن يقوم عن سريره أو ينزل عن مركبه فيمشي لأجلي ، أو ينزع تاجه فيجعله على رأسي ، فوجد ذلك من الملك دل على صدق مدعي الرسالة . واعترض عليه بوجوه : أحدهما : لم لا يجوز إظهار المعجزة على يد المتنبئ ؟ وأجيب : بأنه لا فائدة فيه إلا تكليف الله الخلق بما يخبرهم الكاذب به ، ولا شك أنه تعالى قادر على أن يكلفهم بذلك على يد صادق ، فعدوله عن تكليف الخلق على يد رسول من عنده إلى تكليفهم على يد الكذاب خال عن الحكمة بالضرورة .
--> ( 1 ) الإسراء : 88 . ( 2 ) هود : 13 . ( 3 ) البقرة : 23 .