المقريزي

139

إمتاع الأسماع

وأما بعثة الرسل هل هي جائزة أو واجبة ؟ فاعلم أن المؤمنين بالرسل اختلفوا : هل البعثة جائزة أو واجبة ؟ فقال عامة المتكلمين بعثة الرسل جائزة ، وعند المحققين أنها واجبة ، ولا يعنون أنها تجب على الله تعالى بإيجاب أحد ولا بإيجابه على نفسه ، بل يعنون أنها متأكدة الوجود لأنها من مقتضيات الحكمة ، فيكون عدمها من باب السفه ، وهو محال على الحكيم ، وهذا كما أن علم الله وجوده يجب لكون عدمه يوجب الجهل ، وهو محال على العليم . ودليل الجواز أن ورود التكليف بالإيجاب والحظر والاطلاق والمنع ممن له الملك في مماليكه ليس مما يأباه العقل أو ندفعه الدلائل ، فله أن يتصرف في كل شخص من أشخاص بني آدم بأي شئ شاء من وجوه التصرف ، منعا كان أو إطلاقا ، حظرا كان أو إيجابا ، ثم يعلمهم ذلك إما بتخليق العلم فيهم أو بتخصيص بعض عباده بالعلم من جنسهم أو من خلاف جنسهم ، بإفهام صحيح أو بوحي صريح . ودليل الواجب أن في بعثة الأنبياء من الفوائد والحكم ما لا يفي : فمنها : تأكيد دليل العقل بدليل النقل ، ومنها قطع عذر المكلف على ما قال الله تعالى : [ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ] ( 1 ) ، وقال : [ ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ] ( 2 ) . ومنها : أن الله عز وجل خلق الخلق محتاجين إلى الغذاء للبقاء ، وإلى الدواء للسقام ولحفظ الصحة وإزالة العلل العارضة ، وخلق السموم القاتلة ، والعقل لا يقف عليها ، والتجربة لا تفي بمعرفتها إلا بعد الأدواء ، ومع ذلك فيها خطر ، وفي بعثة الأنبياء معرفة طبائعها من غير خطر . ومنها : لو فوض كيفية العبادة إلى الخلق لجاز أن تأتي كل طائفة بوضع خاص ، ثم أخذوا يتعصبون لها ، فيقضي إلى الفتن . ومنها : أن ما يفعله الإنسان بمقتضى عقله يكون كالفعل المعتاد ، والمعتاد لا يكون عبادة بخلاف ما يفعله امتثالا فإنه يكون محض العبادة ، ولذلك ورد الأمر بالأفعال الغريبة كالحج ، والمقادير التي لا تفعل في غير ذلك .

--> ( 1 ) النساء : 165 . ( 2 ) طه ( : 134 ، وتمامها [ لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى ] .