المقريزي

138

إمتاع الأسماع

وأما شبهة منكري كون الشرائع من عند الله قالوا : نرى الشرائع من عند الله مشتملة على أشياء لا فائدة فيها ، فإن الصلاة والصوم والحج أفعال لا منفعة فيها للمعبود ، وهي مصادر متاعب في حق العابد ، فكان ذلك عبثا بل سفها ، وذلك لا يليق بالحكيم ، فوجب أن لا تكون هذه الشرائع من عند الله تعالى ، وإنما هي مكر من القدماء . وأجيب : بمنع أنها خالية عن الحكمة والمنفعة ، ولا يلزم من عدم اطلاعكم على الحكمة عدمها . * * * وأما شبهة اليهود فهي أن موسى عليه السلام لما بلغ شرعه إلى أمته لا يخلو في تبليغه من أحد ثلاثة أمور : إما أن يكون قد بين أنه دائم ، أو بين أنه مؤقت ، أو لا هذا ولا هذا . والثاني باطل ، لأنه لو بين أنه منقطع وشرح ذلك لأمته لكان معلوما عندهم على سبيل التواتر ، ولو كان نقل متواترا كأصل دينه ولم يمكنهم إخفاؤه ، لأن ما علم تواترا لا يمكن إنكاره ، ومعلوم أن اليهود متفقون في مشارق الأرض ومغاربها على إنكاره . والثالث : باطل أيضا ، لأنه لو كان كذلك لوجب أن لا يجب بمقتضى شرعة موسى من الأعمال إلا مرة واحدة ، لأن مقتضى الأمر المطلق الفعل مرة واحدة لا التكرار . وبالإجماع هذا باطل ، وإذا بين لأمته أن شرعه دائم وجب أن يكون دائما ، وإلا لزم نسبته إلى الكذب وزوال البينة عن جميع الشرائع . وأجيب : بجواز أنه بين أنه منقطع محدود ، وكان ذلك معلوما بالتواتر من دينه ، إلا أن قومه هلكوا بالكلية في بخت نصر ، وصار الباقي أقل من عدد التواتر ، ولا جرم انقطع هذا النقيل ، وسنقيم الأدلة بالحجج الواضحة على صحة دين الإسلام وصدق محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم . * * *