السيد محمد باقر الطباطبائي اليزدي
9
وسيلة الوسائل في شرح الرسائل
فانّه لا شبهة في انّ تكليف المشافهين والحاضرين كان عين الواقع الّذى يأخذونه عن النّبىّ والأئمّة عليهم السّلم والظّاهر ليس بالواقع فأين الاشتراك الّا ان يجاب كما أجيب أيضا بمنع الاشتراك بهذا المعنى فانّ غاية ما يفيده ادلّة الاشتراك انّ كلّ حكم ثبت لموضوع بالنّسبة إلى الحاضرين فهو ثابت لجميع افراده بالنّسبة إلى الغائبين أيضا لأنّ الغائبين مشاركون لأشخاص الحاضرين في كلّ ما كلّفوا به فإذا اختلف الحكم في حق الغائب فلا يكون الّا لاختلاف الموضوع وتجدّد الموضوعات بعد زمن النّبىّ صلّى اللّه عليه وآله والمشافهين وعلى ذلك يحمل ادلّة الاشتراك والّا لزم بطلان الأحكام المختصّة بالغائبين كاتمام الصّلاة للمسافر تخيير إذا صلّى في حائر الحسين ع روحي له الفداء وبمثل ذلك يستدلّ الأصوليّون أيضا على عدم وجوب صلاة الجمعة ويقيدون اطلاق ادلّة وجوبها فانّ موضوع الوجوب هو من يدرك حضرة الإمام عليه السّلم فاختلاف الحكم انّما هو باختلاف الموضوع وبمثل ذلك يزيف ما ذكره الشّريف المحقّق ره ومن حذا حذوه في مبحث اصالة البراءة من وجوب العمل بالاحتياط في الأقلّ والأكثر الارتباطيين استنادا إلى قاعدة الاشتراك فيجب الاتيان بالواقع لاقتضاء الاشتغال اليقيني البراءة اليقينيّة فانّ الاشتراك لا يقتضى ذلك لاختلاف الموضوع فافهم ثانيها انّ الظّواهر لو كانت علميّة لما وقع فيها الخلاف والواقع خلافه كما يظهر لمن تتّبع فيها فانّ منها انّ ذكاة الجنين ذكاة امّه فمنهم من قرء الذّكاة الثّانية بالنّصب ومنهم من قرائها بالرّفع وبنوا على هذا الاختلاف مسئلة فقهيّة وهي انّه هل يكفى في تذكية الجنين تذكية امّه أو لا بل يحتاج إلى تذكيته على حدة فمن رفعها حكم بالأوّل ومن نصبها حكم بالثّانى بجعلها منصوبة بنزع الخافض اى كذكاة امّه مع انّه لا يتعيّن على هذا الفرض أيضا تقدير الكاف ليتعين التّعدّد لاحتمال تقدير في فيرجع إلى الأوّل وبالجملة العلميّة تنافى الاختلاف وهو ظاهر لمن تحلّى بحلية الأنصاف وتخلى عن وصمة الاعتساف وقد أجابوا عنه بوجوه منها انّ المراد بالظّاهر ما علم ظاهريّته يقينا بان يحكم كلّ من راه بانّ المعنى الّذى يقبح إرادة غيره من اللّفظ مع عدم القرينة هو هذا والظّاهر بهذا المعنى لا خلاف فيه أصلا وما وقع فيه الخلاف لا يكون ظاهرا وانّما ظنّه كلّ واحد ظاهرا في معنى فمثل ذلك لا يكون علميّا حتّى ينافيه الاختلاف فالظاهر واحد في نفس الامر لا تعدّد فيه وهو علمىّ لا يقع فيه الخلاف وفيه انّ هذا الكلام يستشمّ منه رائحة التّضييع للعلماء الرّاشدين والتّشنيع للفقهاء وامناء الدّين وينبئ عن فساد اساسهم وبطلان تاسيسهم بل يخبر عن غشّهم وتدليسهم حيث انّه يستلزم ان لا يكونوا عالمين بما لا يجوز بناء الأحكام الشّرعية عليه ولا عارفين بمبنى احكامهم ويقتضى ان يجعلوا ما يشتبه معناه الظّاهر من بين المعاني دليلا للحكم الإلهي حاشاهم عن ذلك ثمّ حاشاهم فان قيل كلّ ما لا يكون من الأدلّة نصّا فهذا شأنه وهو معظم الأدلّة وجلّها بل كلّها فالظّواهر تختلف عند العلماء وكلّ يحكم بمقتضى ما هو ظاهر عنده ولا ضير فيه قلت الظّاهر الواقعىّ النّفس الأمرى واحد لا يختلف لكنّا لا نقول بعلميّة الظّواهر فالكلّ متعبّد بظنّه فيها وامّا على مذاق الخصم فإن كان الظّاهر الواحد النّفس الامرى شيئا يمكن العلم به فلا معنى للاختلاف والّا فلا يجوز بناء الأحكام الشّرعيّة عليه ومنها انّ منشأ الاختلاف هو عدم الاجتهاد والسّعى في تحصيل الظّاهر أو عدم الوصول اليه بمقتضى مصلحة من المصالح فيكون أحد المعاني الّتى يدّعى كونها ظاهر اللّفظ ظاهرة واقعا وقد فهمه مدّعية بالجدّ والاجتهاد والباقي ليس كذلك وفيه انّه ان كان من باب التّقصير فيستلزم التّفسيق كالسّابق وان كان من باب القصور فينافى قوله تعالى وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا ومنها انّ المصالح والحكم تختلف بحسب الأحوال والأزمان والأشخاص فربّ شيء يكون مصلحة في حقّ هذا مفسدة في حقّ ذلك فالمصلحة لكلّ من العلماء انّما هي فيما فهمه من الدّليل ويدلّ على ذلك كثير من الاخبار مثل ما ورد في كفّارة الوقاع قبل طواف النّساء حيث حكم الإمام بوجوب البدنة لسائل والبقرة لآخر والشّاة لثالث وعلّل الاختلاف بعد ما سئل عنه بانّ الأوّل موسر والثّانى متوسّط والثّالث معسر وغير ذلك من الأخبار الدّالّة على اختلاف الحكم في الموضوع الواحد للتّقيّة أو لمصالح أخر ثالثها انّ احتمال التّجوّز واختفاء القرينة والتّخصيص والتّقييد والنّسخ وغيرها قائم في كلّ من الظّواهر وهو مناف للعلميّة مع ما ورد عليها من تغاير الاصطلاحات وتظافر الكذبات من الكذّابين الّذين جعلوا القرآن عضين وادرجوا أنفسهم في زمرة المسلمين وأهل الدّين وهذا هو الّذى حمل المجتهدين على القول بالانسداد واللّه الموفّق إلى طريق السّداد وربّما يجاب عن ذلك بانّا بعد ما أثبتنا قبح الخطاب بما له ظاهر وإرادة غيره مع عدم نصب القرينة عليه ووجوب التّوقيف العلمي على الحكيم نقول على سبيل الانفصال الحقيقي يجب ان يكون هذه المداليل الظّاهريّة غير المداليل الواقعيّة وقد وقع التّكليف بها أو يكون هذه المداليل هي التّكليف الواقعي في حقّ الغائبين بمقتضى الحكم والمصالح رابعها انّ القول بعلميّة الظّواهر لا يخلو عن أحد احتمالات ثلاثة الأوّل انّ المراد انّا نعلم انّ هذه الظّواهر مراد الشّارع والثّانى انّ المراد انّا نعلم انّها مراد المتكلّم من الشّارع وغيره والثّالث انّ المراد انّا نعلم انّ ما يفهم من اللّفظ يكون تكليفا لنا سواء كان مرادا أو لا والكلّ باطل امّا الاوّل فظاهر لأنّه انّما يتمّ بالنّسبة إلى من يسمع اللّفظ من النّبىّ ص أو الإمام عليه السّلم دون من يسمعه من الرّواة والوسائط إذ النّقل بالمعنى جائز فلعلّهم نقلوا ألفاظ الشّارع بمعانيها فكيف يمكن ان يقال انّ مراد الشّارع من لفظ صدر عن غيره هو ذلك المعنى ومنه يظهر وجه بطلان الثّانى أيضا فانّه يتمّ بالنّسبة إلى الشّارع لقبح إرادة غير الظّاهر من اللّفظ مع عدم نصب القرينة وامّا الرّواة فلعلّهم أرادوا غير الظّاهر مع نصب القرينة أو مع الغفلة والنّسيان عن نصبها فلا يمكن الجزم بانّ ذلك المدلول هو مرادهم من اللّفظ وامّا الثّالث فلأنّه يستلزم انتفاء ثمرة العصمة بل وجود المعصوم لأنّ العصمة تثمر إذا كان التّكليف متعلّقا بالواقع وامّا إذا كان متعلّقا بمدلول اللّفظ فيكتفى في تبليغ الأحكام بكلّ عادل غير معصوم بل بكلّ فاسق ظلوم وكلّ شاكّ مرتاب