السيد محمد باقر الطباطبائي اليزدي
28
وسيلة الوسائل في شرح الرسائل
وامّا الواجبات فيراعى الأقوى من مصلحتها ومفسدة التّجرى وهذا يختلف باختلاف مراتب الواجبات والمحرّمات كما لا يخفى قوله يرد عليه اوّلا اه أقول أورد عليه بوجهين هذا اوّلهما وتوضيحه انّا نمنع كون قبح التّجرى بالوجوه والاعتبارات فانّ العقل مستقل في الحكم بقبحه ذاتا كالحكم بقبح الظلم كما انّه مستقلّ في الحكم بحسن ما يقابله من الانقياد فكما انّ العقل يدركه يدرك قبحه الذّاتى ولا سبيل له إلى الوجوه والاعتبارات الغير المتناهية ومن هنا ذهب جماعة من المحققين إلى انّ متعلّق الطّلب في الأوامر هو الطبيعة لا الأفراد الموجودة فانّ الفرديّة لا تتحقّق الّا بالأمور والعوارض الخارجيّة ولا ريب ان محل الحسن هو مورد الطّلب فيعلم انّ الحسن انّما هو في نفس الطّبيعة مع قطع النّظر عن الأمور الخارجيّة والوجوه الاعتباريّة نعم لا ننكر تعارض الذّاتيين بان يكون الذّاتى مقيّدا بمعنى انّ العقل يدرك حسن الكذب المقيد بالنفع وقبح الصّدق المقيّد بالضّرر وبالجملة التجرى يكون علّة تامّة للقبح وممّا قرّرناه يعلم انّ قوله كالظّلم تشبيه لا تمثيل فلا يرد عليه انّ التّمثيل به غير مناسب من جهة انّ ذمّ الظّالم انّما هو من جهة الفعل وذمّ المتجرّى من جهة سوء السّريرة فلا مناسبة بينهما وفي بعض النّسخ المصحّحة المقروءة على المص ره وقع خطّ المحو على قوله كالظّلم بل هو قسم من الظّلم وأثبت بدله قوله سواء كان لنفس الفعل أو لكشفه عن كونه جريا وكيف كان فهو ره ابصر بما أراده واخبر مما افاده قوله وثانيا لو سلّم اه أقول هذا هو الإيراد الثّانى وتوضيحه انّه لو تعلم كون قبح التّجرى بالوجوه والاعتبارات فليس حاله كحال الأفعال الّتى لا تتّصف في أنفسها بحسن ولا قبح بل تتّصف بهما بعد تحقق عنوان لها كضرب اليتيم الخالي عنهما في نفسه المتّصف بالحسن للتّأديب وبالقبح لمجرّد الأذى والظلم بل هو مقتض بنفسه للقبح الّا إذا عارضه جهة مصلحة كما في الكذب النّافع وان لم يكن علّة تامّة له فلا بدّ من تحصيل ما يعارضه من المصلحة وهو لا يكون الّا فعلا اختيار بالعدم اتّصاف غيره بحسن ولا قبح وترك قتل المؤمن والنّبىّ فيما ذكره من المثال ليس اختياريّا فلا يتّصف بحسن فلا يعارض قبح التجرى والعجب انّه ره ذكر في باب الأدلّة العقليّة انّ العقل يدرك حسن الأشياء بحسب الذّات لكنّه لا ملازمة بين حكمه وحكم الشّرع فربّما تكون المصلحة الشّرعيّة في نفس الطّلب دون المطلوب فالحكم العقلي باق ما لم يعارضه جهة خارجيّة من الاعتبارات وغفل هاهنا عن ابقاء حكم المقتضى ما لم يظهر المعارض وأورد عليه المص ره بوجه ثالث على ما حكى عنه ولو انّه يلزم المفصل على ذلك التّفصيل ان يقول بحسن التّجرّى في ما إذا كان الفعل المتجرّى به واجبا واقعيّا قد بلغ من المصلحة ما بلغ بحيث اضمحل في جنبه قبح التجرّى ولا نظنه يلتزم به لبداهة بطلانه وفيه ما لا يخفى كما لا يخفى ثمّ انّ ما ذكره ب قوله وكذا لو نصب له طريقا الخ محلّ نظر وتامّل لان الطّريق الظنّى إذا كان منجعلا وأمضاه الشّرع وقرّره لا انّه جعله وانشائه كالظن المطلق على ما بيّناه وكالظّنون الحاصلة من الأصول اللّفظيّة الّتى يقتضيها العرف والعادة وقد أمضاه الشّارع كان المصلحة فيه عين مصلحة الواقع لا غيرها وامّا إذا كان مجعولا من قبل الشّارع كالظّنّ الخاصّ عبد أرباب الظّنون الخاصّة فلا شبهة عند من يعترف بانقسام الحكم إلى الواقعي والظّاهرى كالمفصّل في انّ الحكم الظّاهرى لا بدّ فيه من الحسن كالواقع بحيث يتدارك به المصلحة الواقعية لئلّا يلزم تفويتها نعم من لا يقول بالحكم الظّاهرى كبعض مشايخنا دام ظله فهو في سعة من ذلك وعلى هذا فالقول بكفاية مصادفة الواقع مع مخالفة الطّريق كيف يجتمع مع ما ذكر وممّا قرّرناه ينقدح وجه الضّعف فيما ذهب اليه من تداخل العقاب كما سيأتي الإشارة اليه قوله الّا ان نقول بعدم مدخلية اه أقول هذا احتمال يرفع به الدّعوى ذكره المدعى ليدفعه لثبوت دعواه وملخّصه ان الأمر الغير الاختياري لا يؤثر في وجود شيء ولا عدمه فلا يصلح لرفع تأثير المقتضى أيضا كما لا يصلح للمعارضة مع قبح التّجرى فالدّعوى باطلة فأجاب عنه بالمنع قوله وعليه يمكن ابتناء الخ اه أقول المراد بالدّليل العقلي هو ما نقله من تقرير المحقّق السّبزوارى ره وتوضيح المراد ان المص ره أجاب عن ذلك الدّليل باختيار الشقّ الثّالث من الشّقوق الأربعة ومنع ما ذكره المستدلّ من استلزامه لإناطة استحقاق العقاب بما هو خارج عن الاختيار بانّ عدم العقاب على الأمر الغير الاختياري غير معلوم القبح وحاصله انّه يوجب ارتفاع العقاب فيمكن لنا ان نقول بمثله في المقام فيكون الأمر الغير الاختياري وان لم يكن حسنا في نفسه موجبا لارتفاع القبح فمنع الدّليل مبتن على مثل ما ادّعيناه فان تمّ هناك تمّ هاهنا من غير تفاوت بينهما قوله مضافا إلى الفرق اه أقول الفرق بين المقامين على ما افاده ره من وجهين أحدهما انّ الكلام ثمّ انّما هو في المقتضى بمعنى ان التّجرى هل يقتضى القبح على جهة الفعل أو لا وهاهنا في وجود المانع بمعنى انّ قبح التّجرى بعد ان اقتضاه هل له دافع أو لا وثانيهما انا في مقام المنع هناك ويكفينا الاحتمال عن مئونة الاستدلال والمدّعى في مقام اثبات ارتفاع القبح بالامر الغير الاختياري فمجرّد عدم امتناع تأثير الامر الغير الاختياري لا يكفيه فيه بل لا بدّ له من الجزم فيه قوله بانّ العقل مستقلّ اه أقول حاصله ان قبح التّجرى من المستقلّات العقلية فلا يعارضه ولا يؤثر فيه الّا ما كان العقل مستقلا بحسنه والأمر الغير الاختياري لا يكون كذلك فلا يستقل العقل بجواز تأثيره في رفع ما استقل به من القبح أيضا وهو ظاهر قوله ثمّ انّه ذكر هذا القائل اه أقول أراد به صاحب الفصول ره القائل بالتّفصيل السّابق وقد ذكر ذلك في بحث مقدّمة الواجب في مقام الردّ على المحقّق القمّى ره وربّما يستفاد من بعض كلماته في مواضع أخرى أيضا وربّما يورد عليه بوجه آخر وهو انّ التّجرى عبارة عن مخالفة ما اعتقده المتجرّى لا ما هو ثابت في الواقع إذ يسمّى ذلك معصية كما انّ الانقياد عبارة عن الاتيان على طبق الاعتقاد لا اتيان ما هو ثابت في الواقع فانّه يسمّى إطاعة فالمخالفة والموافقة في المعصية والإطاعة حقيقيّتان وفي التجرّى والانقياد حكميّتان فالتّجرّى ليس ممّا يمكن اجتماعه مع المعصية الواقعيّة لانّه إذا حصل المخالفة بالنّسبة إلى ما هو ثابت في الواقع فالمعتقد ليس شيئا سواه حتّى يحصل مخالفة مستقلّة بالنّسبة اليه فتوجب العقاب فليس هناك الّا مخالفة واحدة موجبة العقاب واحد فلا يتصوّر