السيد محمد باقر الطباطبائي اليزدي
29
وسيلة الوسائل في شرح الرسائل
فيها عقابان حتّى يتكلم على التّداخل فيهما وعدمه قوله ولم يعلم معنى محصّل اه أقول يمكن ان يكون مراده من التّداخل انّه ينتقل حينئذ نوع العقاب والعذاب إلى نوع آخر اشدّ منه كما في انتقال الضّرب وتبدله بقطع اليد بناء على انّ مراتب العقاب في الآخرة مراتب مختلفة في الشّدّة والضّعف فتكون أنواعا مستقلّة كالحبس والضّرب وقطع اليد وغيرها لا انّها من قبيل الاقلّ والأكثر كضرب مائة سوط وضرب ماتى سوط وغيرهما فللتجرّى في نفسه عقاب وللواقع في نفسه عقاب فإذا تصادفا ينقلب كلا العقابين إلى مرتبة واحدة من العقاب فوقهما يكون شدّته كشدة مجموع العقابين ويؤيّده ما ورد في الأخبار على ما ببالي انّ دركات النّار مختلفة في شدّة العذاب بحيث إذا نقل أهل الدّركة السّفلى إلى الدركة العليا لناموا من شدّة الرّاحة وكثرة الاستراحة أعاذنا اللّه منها فعلى هذا يتصوّر التّداخل لكنه بعيد عن الاصطلاح لو تمّ ما ادّعيناه فتدبّر قوله كما اعترف به الشّهيد قده فيما يأتي من كلامه اه أقول قال في الحاشية بعد هذا الكلام بل يظهر منه ره انّ الكلام في تأثير نيّة المعصية إذا تلبس بما يرى معصية لا في تأثير الفعل المتلبس به إذا صدر عن قصد المعصية فتامّل ولكن يظهر من بعض الرّوايات حرمة الفعل المتجرّى به بمجرد الاعتقاد مثل موثّقة سماعة في رجلين قاما إلى الفجر فقال أحدهما هو ذا وقال الآخر ما أرى شيئا قال فليأكل الّذى لم يبين له وحرم على الّذى زعم انّه طلع الفجر انّ اللّه عزّ وجلّ قال كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ فتامّل انتهى واختلف النّسخ المصححة بعد تصرّفه ره بتغيير كثير من العبارات بالمحو والأثبات في علامة ربط هذه العبارات بالمتن فمن بعضها يستفاد إرادة الحاقها به ومن بعضها إرادة التّحشية والتّعليق قوله ففي الأخبار الكثيرة العفو عنه اه أقول ظاهر كلامه يفيد الاستحقاق بمجرّد القصد ويرد عليه اشكالان أحدهما على كونه حراما نفسيّا كما هو مقتضى ما ثبت في محلّه من عدم العقاب على المقدّمة فترتب العقاب على القصد يقتضى كونه حراما نفسيّا وحاصل الاشكال انّ مقتضى الحرمة النّفسيّة تعدّد العقاب على قصد الحرام المتعقّب لارتكابه مع انّ العقل والعرف بل الشّرع يدلّ على وحدة العقاب في هذه الصّورة أيضا وثانيهما على كونه حراما حتّى على وجه الحرمة التّبعية المقدّميّة وهو انّ العقاب انّما يجوز ويحسن على الأمر الاختياري وليس القصد والإرادة كذلك إذ ليست الإرادة من مقولة الفعل بل هي من الكيفيّات النّفسانية كما صرّح به المحقّق الطّوسى ره في التّجريد والمستفاد من كلامه انّ الإرادة هي اعتقاد النّفع سواء كان يقينيّا أو غيره وهو مذهب المعتزلة حيث ذكروا انّ نسبة قدرة القادر إلى طرفي المقدور اعني فعله وتركه بالسّويّة فإذا اعتقد نفعا في أحد طرفيه ترجح ذلك الطّرف عنده وصار هذا الاعتقاد مع القدرة مخصّصا لوقوعه منه وذهب جماعة منهم إلى انّ هذا الاعتقاد هو المسمّى بالدّاعى إلى الفعل أو التّرك وامّا الإرادة فهي ميل يعقب اعتقاد النفع كما انّ الكراهة انقباض يعقب اعتقاد الضّرر وعلى هذا فتصير من مقولة الفعل وقيل انّ الإرادة هي القصد المتعقّب للعزم المتعقّب للجزم وتوطين النّفس على الفعل المتعقّب للميل المتعقّب للتّصديق بالغاية المتعقّب لتصوّر الفعل وكيف كانت فهي ليست اختياريّة ان لا يمكن ان يكون مبدئها الإرادة اللّازمة للفعل الاختياري والّا يلزم التّسلسل والتّحقيق انّ ميل القوّة الشّهويّة المودعة في الحيوان يشتدّ غاية الاشتداد حتّى يتحصّل الفعل ولا يحصل بأدنى مرتبته ويمكن دفع الأشكال الأوّل بانّ العقاب انّما يترتّب على المخالفة وهي امر واحد فإذا استقلّ قصد الحرام بالوجود بدون الفعل فالعقاب على المخالفة الحاصلة بالنّسبة اليه وان حصل مع الفعل فيشتدّ المخالفة فالمخالفة الحاصلة من الفعل هي عين المخالفة الحاصلة من القصد على وجه الكمال فلا يجب التزام تعدّد العقاب الّا ان يمنع ذلك بانّ المخالفة ان كانت منتزعة من نفس الفعل المنهىّ عنه فقط فلا وجه لحرمة القصد وان كانت منتزعة منهما فلا تكون مخالفة واحدة لانتزاعها من امرين مختلفين فافهم ويمكن دفع الثّانى بالتزام انّ الإرادة فعل اختياري وليست من مقولة الكيف لأنّا كثيرا ما نعتقد نفعا في شيء ولا نريده الّا إذا حدث فينا ميل اختيارىّ بعد هذا الاعتقاد ويشهد بذلك ظهور الفرق الواضح بحسب العرف واللّغة بين علم أو اعتقد وبين نوى أو أراد أو قصد مضافا إلى ما ذكره الفقهاء وغيرهم في تعريف النيّة من انّها إرادة تفعل بالقلب أو انّها توجّه النّفس نحو ما فيه بعينها وهو أحد معاني الخبر المعروف من انّ نيّة المؤمن خير من عمله ونيّة الكافر شرّ من عمله فالمعنى انّ نيّة المؤمن خير وهي من جملة اعماله ونيّة الكافر شر وهي من جملة اعماله فيكون من عمله خبرا ثانيا للمبتدأ ويكفى في كون الفعل اختياريّا كونه عقيب الدّاعى ألا ترى انّ معنى كون فعل اللّه اختياريّا انّ المرجّح لاحد طرفي متعلّق قدرته علمه تعالى بالأصلح وهو عين ذاته وليس المراد انّه يحدث في ذاته بعد العلم شيء ويشبه ذلك الإرادة والاختيار في العبد ولا يحتاج لا إرادة إلى إرادة أخرى ليلزم التّسلسل وما يتراءى انّ افعال الجوارح تحصل بالقصد والتّوجّه وتحتاج إلى الإرادة فهو لأجل انّ المخاطب بالفعل هو النّفس ولا يمكن حصول هذه الأفعال منها الّا بتوجيهها إلى البدن فإذا كان الفعل قائما بالنّفس فالقصد هو عين الفعل وبما ذكرناه علل بعضهم وجوب القصد إلى الفعل في العبادات بل الواجبات التوصّلية أيضا وممّا حققناه تعرف ان الغرض الأهم من العبادات كلّها تكميل النّفس وتخليتها من الرذائل وتحليتها بالفضائل وتمرينها على الملكات القدسيّة وتزيينها بالكمالات الحقيقيّة وبما بيّناه ينحلّ عقدة ما يستفاد من الأخبار الكثيرة من كون القصد من الأمور الاختيارية الّتى يترتّب عليها الثّواب والعقاب ويمكن دفع الأشكال مط بحمل العفو المستفاد من الاخبار وكلمات أصحابنا الأخبار على العفو عن كونه معصية بان يكون المراد ان القصد ممّا يليق ان يكتب معصية ليتفرّع عليها استحقاق العقاب لكنّه عفى عن ذلك ولا يبعد دعوى كون غالب اخبار العفو ناظرا إلى ما ذكرنا مثل ما رواه جميل بن درّاج عن الصّادق عليه السّلم انّه قال إذا همّ العبد بالسّيئة لم يكتب