المقريزي
375
إمتاع الأسماع
ابن أبي الصلت الثقفي تجارا إلى الشام ، فكلما نزلنا منزلا أخذ أمية سفرا له يقرؤه علينا ، وكنا كذلك حتى نزلنا قرية من قرى النصارى فجاءوه وأكرموه وأهدوا له ، وذهب معهم إلى بيوتهم ، ثم رجع في وسط النهار فطرح ثوبيه وأخذ ثوبين له أسودين فلبسهما وقال لي : يا أبا سفيان ، هل لك في عالم من علماء النصارى إليه يتناهى علم الكتاب نسأله ؟ قلت : لا أرب لي فيه ، والله لئن حدثني بما أحب لا أثق به ، ولئن حدثني بما أكره لأرحل منه . قال : فذهب وخالفه فتى من النصارى فدخل عليه فقال : ما يمنعك أن تذهب إلى هذا الشيخ ؟ قلت : لست على دينه ، قال : وإن ، فإنك تسمع منه عجبا وتراه ، ثم قال لي الثقفي : أنت قلت : لا ، ولكني قريشي ، قال : فما يمنعك من الشيخ ؟ فوالله إنه ليحبكم ويوصي بكم ، قال : وخرج من عندنا ومكث أمية حتى جاءنا بعد هدأه من الليل ، فطرح ثوبيه ثم انحذل إلى فراشه ، فوالله ما نام ولا قام حتى أصبح كئيبا حزينا ساقطا غبوقه على صبوحه ( 1 ) ، ما يكلمنا وما نكلمه . ثم قال : ألا ترحل ؟ فرحلنا ، فسرنا بذلك ليلتين من همه ، ثم قال لي في الليلة الثالثة : ألا تحدث أبا سفيان ؟ قلت : وهل بك من حديث ؟ والله ما رأيت مثل الذي رجعت به من عند صاحبك ، قال : أما إن ذلك شئ لست فيه ، إنما ذلك شئ وجلت به من منقلبي ، قال : قلت هل أنت قابل أمانتي ؟ قال : على ماذا ؟ قلت : على أنك لا تبعث ولا تحاسب ، فضحك ثم قال : بلى والله يا أبا سفيان لنبعثن ولنحاسبن ، وليدخلن فريق الجنة وفريق النار ، قلت : ففي أيهما أنت أخبرك صاحبك ؟ قال : لا علم لصاحبي بذلك في ولا في نفسه . قال : فكنا في ذلك ليلتين يعجب مني وأضحك منه ، حتى قدمنا على غوطة دمشق فبعنا متاعنا فأقمنا شهرين وارتحلنا حتى نزلنا قرية من قرى النصارى ، فلما رأوه جاءوه أهدوا له ، وذهب معهم إلى بيعتهم ، حتى جاء بعد ما انتصف النهار ، فلبس ثوبيه وذهب إليهم حتى جاءنا بعد هدأة من الليل فطرح ثوبيه ورمى بنفسه على فراشه ، فوالله ما نام ولا قام ، وأصبح كئيبا حزينا لا يكلمنا ولا نكلمه .
--> ( 1 ) الغبوق : شراب اللبن في المساء ، والصبوح : شرابه في الصباح ، والمقصود هنا كناية عن الاضطراب وعدم الاتزان .