المقريزي
296
إمتاع الأسماع
وأما جزمه أولا بأن جميع أدعيتهم مستجابة ففيه غفلة عن الحديث الصحيح : سألت الله ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة . وقال ابن بطال : في هذا الحديث بيان فضيلة نبينا صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء حيث آثر أمته على نفسه وأهل بيته بدعوته المجابة ، ولم يجعلها أيضا دعاء عليهم بالهلاك كما وقع لغيره ممن تقدم ( 1 ) . وقال ابن الجوزي : هذا حسن تصرفه صلى الله عليه وسلم ، لأنه جعل الدعوة بشئ ينبغي ، ومن كثرة كرمه أنه آثر أمته على نفسه ، ومن صحة نظره أنه جعلها للمذنبين من أمته لكونهم أحوج إليها من الطائعين . وقال النووي : فيه كمال شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته ورأفته بهم ، واعتناؤه بالنظر في مصالحهم ، فجعل دعوته في أهم أوقات حاجتهم ( 2 ) . قال أبو عمر بن عبد البر : وأما قوله : لكل نبي دعوة يدعو بها ، فمعناه : أن كل نبي أعطي أمنية وسؤلا ودعوة يدعو بها ما شاء أجيب وأعطيه . ولا وجه لهذا الحديث غير ذلك ، لأن لكل نبي دعوات مستجابات ، ولغير الأنبياء أيضا ، دعوات مستجابات ، وما يكاد أحد من أهل الإيمان يخلو من أن تجاب دعوته ولو مرة في عمره ، فإن الله تعالى يقول : ( ادعوني استجب لكم ) ( 3 ) ، وقال : ( بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء الله ) ( 4 ) ، وقال صلى الله عليه وسلم : ما من داع يدعو إلا كان بين إحدى ثلاث : إما يستجاب له فيما دعا به ، وإما أن يدخر له مثله ، أو يكفر عنه ( 5 ) . وقال : دعوة المظلوم لا ترد ولو كان من كافر ، والدعاء عند حضرة النداء ، والصف في سبيل الله ، وعند نزول الغيث ، وفي ساعة يوم الجمعة لا ترد ، فإذا كان هذا ، هكذا لجميع المسلمين ، فكيف يتوهم متوهم أن ليس للنبي صلى الله عليه وسلم ولا لسائر الأنبياء إلا دعوة واحدة يجابون فيها ، هذا ما لا يتوهمه ذو لب ولا إيمان ، ولا من له أدنى فهم ، وبالله التوفيق . * * *
--> ( 1 ) ( فتح الباري ) : 11 / 116 - 117 . ( 2 ) أنظر شرح النووي لأحاديث الشفاعة بصحيح مسلم كتاب الإيمان . ( 3 ) 60 : غافر . ( 4 ) 41 : الأنعام . ( 5 ) رواه الترمذي رقم ( 3378 ) في الدعوات ، باب ما جاء أن دعوة المسلم مستجابة ، وهو حديث صحيح لكن باختلاف يسير ، وأخرجه مالك موقوفا في القرآن 1 / 217 .