المقريزي

284

إمتاع الأسماع

في كتاب الدعاء ( 1 ) . وخرج أبو بكر بن أبي شيبة من حديث أحمد بن عبد الله قال : أخبرنا زهير ابن معاوية ، أخبرنا أبو خالد الأسدي ، أخبرنا عون بن أبي جحيفة السواري عن عبد الرحمن بن علقمة الثقفي عن عبد الرحمن بن أبي عقيل قال : انطلقت في وفد فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنخنا الباب وما في الناس أبغض إلينا من رجل نلج عليه ، فما خرجنا حتى ما في الناس رجل أحب إلينا من رجل دخلنا عليه ، فقال قائل منا : يا رسول الله ! ألا سألت ربك ملكا كملك سليمان بن داود ؟ فضحك ثم قال : لعل لصاحبكم عند الله أفضل من ملك سليمان بن داود ! إن الله لم يبعث نبيا إلا أعطاه دعوة ، فمنهم من اتخذ بها دنيا فأعطيها ، ومنهم من دعا بها على قومه إذا عصوه فأهلكوا بها ، وإن الله أعطاني دعوة فاختبأتها عند ربي شفاعة لأمتي

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الدعوات ، باب ( 1 ) : لكل نبي دعوة مستجابة ، حديث رقم ( 6204 ) ، ( 6305 ) . قوله صلى الله عليه وسلم : " وأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة " ، وفي رواية أبي سلمة عن أبي هريرة " فأريد إن شاء الله أن أختبئ " ، وزيادة " إن شاء الله " في هذا للتبرك ، ولمسلم من رواية أبي صالح عن أبي هريرة " وإني اختبأت " ، وفي حديث أنس " فجعلت دعوتي " ، وزاد " يوم القيامة " ، وزاد أبو صالح " فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا . وقوله صلى الله عليه وسلم " من مات " في محل نصب على المفعولية ، و " لا يشرك " في محل نصب على الحال ، والتقدير : شفاعتي نائلة من مات غير مشرك ، وكأنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يؤخرها ثم عزم ففعل ، ورجا وقوع ذلك ، فأعلمه الله به ، فجزم به . وقد استشكل ظاهر الحديث بما وقع لكثير من الدعوات المجابة ، لا سيما نبينا صلى الله عليه وسلم ، وظاهره أن لكل نبي دعوة مستجابة فقط ، والجواب : أن المراد بالإجابة في الدعوة المذكورة القطع بها ، وما عدا ذلك من دعواتهم فهو على رجاء الإجابة . وقيل : معنى قوله صلى الله عليه وسلم : " لكل نبي دعوة " ، أي أفضل دعواته ، ولهم دعوات أخرى ، وقيل : لكل منهم دعوة مستجابة في أمته ، إما بإهلاكهم وإما بنجاتهم ، وأما الدعوات الخاصة ، فمنها ما يستجاب ومنها ما لا يستجاب ، وقيل : لكل منهم دعوة تخصه لدنياه أو لنفسه ، كقول نوح : ( لا تذر على الأرض ) ، وقول زكريا ( فهب لي من لدنك وليا يرثني ) ، وقول سليمان : ( وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي ) ، حكاه ابن التين . والمراد بهذا الحديث أن كل نبي دعا على أمته بالإهلاك إلا أنا فلم أدع ، أعطيت الشفاعة عوضا عن ذلك للصبر على أذاهم ، والمراد بالأمة أمة الدعوة لا أمة الإجابة . . . وتعقبه الطيبي - وفي نسخة القرطبي - بأنه صلى الله عليه وسلم دعا على أحياء من العرب ، ودعا على أناس من قريش بأسمائهم ، ودعا على رعل ، وذكوان ، ودعا على مضر ، قال : والأولى أن يقال : إن الله جعل لكل نبي دعوة تستجاب في حق أمته ، فنالها كل منهم في الدنيا ، وأما نبينا صلى الله عليه وسلم فإنه لما دعا على بعض أمته ، نزل عليه ( ليس لك من الأمر شئ أو يتوب عليهم ) ، فبقى تلك الدعوة المستجابة مدخرة للآخرة ، وغالب من دعا عليهم لم يرد إهلاكهم ، وإنما أراد ردعهم ليتوبوا . وأما جزمه أولا بأن جميع أدعيتهم مستجابة ، ففيه غفلة عن الحديث الصحيح : " سألت الله ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة " قال ابن بطال : في هذا الحديث بيان فضل نبينا صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء ، حيث آثر أمته على نفسه وأهل بيته بدعوته المجابة ، ولم يجعلها أيضا دعاء عليهم بالهلاك كما وقع لغيره ممن تقدم . وقال ابن الجوزي : هذا من حسن تصرفه صلى الله عليه وسلم ، لأنه جعل الدعوة فيما ينبغي ، ومن كثرة كرمه أنه آثر أمته على نفسه ، ومن صحة نظره لأنه جعلها للمذنبين من أمته ، لكونهم أحوج إليها من الطائعين . وقال النووي : فيه كمال شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته ورأفته بهم ، واعناؤه بالنظر في مصالحهم ، فجعل دعوته في أهم أوقات حاجتهم . وأما قوله : " فهي نائلة " ، ففيه دليل لأهل السنة أن من مات غير مشرك لا يخلد في النار ، ولو مات مصرا على الكبائر . مختصرا من ( فتح الباري ) : 11 / 116 - 117 .