المقريزي

247

إمتاع الأسماع

واعترض على هذا بوجوه : أحدها : ما ذكروه يجوز أن يستعمل في الأعلى والأدنى ، فلو قلت : أحسن إلى ابنك وأهلك كما أحسنت إلى مركوبك وخادمك ونحوه ، جاز ذلك . ومن معلوم أنه لو كان التشبيه في أصل الصلاة لحسن أن تقول : اللهم صل على محمد كما صليت على آل أوفي ، أو كما صليت على آحاد المؤمنين ونحوه ، أو كما صليت على آدم ونوح ، وهود ولوط ، فإن التشبيه عند هؤلاء إنما هو واقع في أصل الصلاة لا في قدرها ولا في صفتها ، ولا فرق في ذلك بين كل من صلى عليه ، وأي مزية في ذلك لإبراهيم وآله ، وما الفائدة حينئذ . في ذكره وذكر آله ، وكان الكافي في ذلك أن يقال : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد فقط . الثاني : أن الأمثلة المذكور ليست بنظير الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنها نوعان : خبر وطلب ، فما كان منها خبرا فالمقصود بالتشبيه الاستدلال والتقريب إلى الفهم ، وتقرير ذلك الخبر وأنه لا ينبغي لعاقل إنكاره كنظيره المشبه به ، فكيف تنكرون الإعادة وقد وقع الاعتراف بالبداءة وهي نظيرها ، وحكم النظير حكم نظيره . ولهذا يحتج سبحانه بالمبدأ على المعاد كثيرا ، قال تعالى : ( كما بدأكم تعودون ) ( 1 ) ، وقال تعالى : ( كما بدأنا أول خلق نعيده ) ( 2 ) ، وقال تعالى : ( وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ) ( 3 ) ، وهذا كثير في القرآن . وكذلك قوله تعالى : ( إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا ) ( 4 ) ، أي كيف يقع الإنكار منكم وقد تقدم قبلكم رسل مني مبشرين ومنذرين ، وقد علمتم حال من عصى رسلي كيف أخذتهم أخذا وبيلا .

--> ( 1 ) الأعراف : 29 . ( 2 ) الأنبياء : 104 . ( 3 ) يس : 78 . ( 4 ) المزمل : 16 .