المقريزي
248
إمتاع الأسماع
وكذلك قوله تعالى : ( إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح ) ( 1 ) الآية ، أي لست أول رسول طرق العالم ، قد تقدمت قبلك رسل أوحيت إليهم كما أوحيت إليك كما قال تعالى : ( قل ما كنت بدعا من الرسل ) ( 2 ) ، فهذا رد وإنكار على من أنكر رسالة محمد صلى الله عليه وسلم مع مجيئه صلى الله عليه وسلم ولست من الأمور التي لم تطرق العالم ، بل لم تخل الأرض من الرسل وآثارهم ، فرسولكم جاء على منهاج من تقدمه من الرسل في الرسالة لم يكن بدعا . وكذلك قوله تعالى : ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعلموا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ) ( 3 ) ، إخبار عن عادته سبحانه وتعالى في خلقه ، وحكمته التي لا تبديل لها ، من آمن وعمل صالحا مكن له في الأرض واستخلفه فيها ولم يهلكه ويقطع دابره كما أهلك من كذب رسله وخالفهم وأخبرهم سبحانه وتعالى عن معاملته من آمن برسله وصدقهم ، وأنه لم يفعل بهم كما فعل بمن قبلهم من أتباع الرسل . وهكذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير ، وتغدوا خماصا وتروح بطانا " ، إخبار بأنه سبحانه وتعالى يرزق المتوكلين عليه من حيث لا يحتسبون ، وأنه لا يخليهم من رزق قط كما ترون ذلك في الطير فإنها تغدوا من أو كارها خماصا فيرزقها سبحانه وتعالى حتى ترجع بطانا من رزقه ، فأنتم أكرم على الله سبحانه وتعالى من الطير ومن سائر الحيوانات ، فلو توكلتم عليه سبحانه وتعالى لرزقكم من حيث لا تحتسبون ، ولم يمنع أحدا منكم رزقه ، هذا ما كان من قبيل الإخبار . وأما في قسم الطلب والأمر ، فالمقصود منه التنبيه على العلة وأن الجزاء من جنس العمل ، فإذا قلت : علم كما علمك الله ، وأحسن الله إليك ، واعف كما عفا الله عنك . . ونحوه ، كان في ذلك تنبيها للمأمور على شكر النعمة التي أنعم الله سبحانه وتعالى بها عليه ، وأنه حقيق أن يقابلها بمثلها ويقيدها بشكرها ، وأن جزاء تلك النعمة من جنسها ، ومعلوم أنه يمتنع خطاب الرب سبحانه وتعالى بشئ
--> ( 1 ) النساء : 163 . ( 2 ) الأحقاف : 9 . ( 3 ) النور : 55 .