المقريزي

159

إمتاع الأسماع

أموره كلها ما خصه الدليل . قلت : الجواب عن الأول : أن أحدا لا ينازع في التأسي به صلى الله عليه وسلم في الجملة ، لأنه لما قال : صلوا كما رأيتموني أصلي ، وخذوا عني مناسككم ، فقد أجمعوا على وقوع التأسي به ، والآية ما دلت إلا على المرة الواحدة ، فكان التأسي به صلى الله عليه وسلم في هذه الصورة كافيا في العمل بالآية ، لا سيما والآية إنما وردت على صيغة الإخبار عما مضى ، وذلك يكفي فيه وقوع التأسي به فيما مضى . والجواب عن الثاني : أنك إن أردت أنه لا يصح إطلاقه اسم الأسوة إلا إذا كان أسوة في كل شئ فهو ممنوع ، ثم يدل على فساده وجهان : الأول : أنه من يعلم من إنسان نوعا واحدا من العلم يقال له : إن لك في فلان أسوة حسنة في كل شئ ، ويقال لك في فلان أسوة حسنة في هذا الشئ دون ذاك ولو اقتضى اللفظ العموم لكان الأول تكرار ، والثاني نقصا ، وإن أردت أنه يصح إطلاق اسم الأسوة إذا كان أسوة في بعض الأشياء فهذا مسلم ، ولكنه صلى الله عليه وسلم أسوة لنا في أقواله وأفعاله التي أمرنا بالاقتداء بها كقوله : " صلوا كما رأيتموني أصلي ، وخذوا عني مناسككم " . والجواب عن الحجة الثانية : أن قوله تعالى : ( فاتبعوه ) يطلق في الاتباع فلا يفيد العموم في كل الاتباعات ، والأمر لا يقتضي التكرار ، فلا يفيد العموم في كل الأزمنة ، فإن قلت : ترتب الحكم على الاسم يشعر بأن المسمى علة لذلك الحكم ، فماهية المتابعة علة الأمر بها ، قلت : فعلى هذا لو قال السيد لعبده : اسقني ، يلزمه أن يكون أمرا له يجمع أنواع السقي في كل الأزمنة ، وفي هذه الأمثلة كثرة ، وما ذكرناه في فساد ما قالوا ، وأما الإجماع فقد سبق الكلام عليه ، قال : لما عرفت أن التأسي مطابقة المتأسي به في الوجه وجب معرفة الوجه الذي عليه وقع فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وهو ثلاثة : الندب والإباحة والوجوب . أما الإباحة فتعرف بطرق أربعة : أحدها : أن ينص رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنه مباح . وثانيها : أن تقع امتثالا لأنها دالة على الإباحة .