المقريزي

158

إمتاع الأسماع

في كل شئ بقاءه ، فقد ثبت بهذا أنه لا حرج في فعله قطعا ، ولا رجحان في فعله ظاهرا ، فهذا الدليل يقتضي في كل أفعاله صلى الله عليه وسلم أن يكون مباحا ترك العمل به في الأفعال التي كونه واجبة أو مندوبة ، فبقي معمولا به في الباقي ، وإذا ثبت كونه مباحا ظاهرا وجب أن يكون في حقنا كذلك ، للآية الدالة على وجوب التأسي ترك العمل به فيما إذا كان من خواصه ، فبقي معمولا به في الباقي . والجواب هنا : أنه في حقه صلى الله عليه وسلم كذلك ، فلم يجب أن يكون في حق غيره كذلك ؟ والله أعلم . قال جمهور الفقهاء والمعتزلة : التأسي واجب ، ومعنى ذلك أنا إذا علمنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم فعل فعلا على وجه الوجوب فقد تعبدنا أن نفعله على وجه الوجوب ، وإن علمنا أنه مستقل به كنا متعبدين بالتنفل به ، وإن علمنا أنه فعله على وجه الإباحة ، كنا متعبدين باعتقاد إباحته ، وجاز لنا أن لا نفعله . وقال أبو علي بن خلاد - تلميذ أبي هاشم من المعتزلة - : نحن متعبدون بالتأسي به في العبادات دون غيرها كالمناكحات والمعاملات ، ومن الناس من أنكر ذلك في الكل ، احتج أبو الحسن بالقرآن والإجماع . أما القرآن فقوله تعالى : ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) والتأسي بالغير في أفعاله هو أن يفعل على وجه الذي فعل ذلك الغير ، ولم يفرق الله تعالى بين أفعال النبي صلى الله عليه وسلم إذا كانت مباحة أو لم تكن مباحة . وأما الإجماع : فهو أن السلف رجعوا إلى أزواجه صلى الله عليه وسلم في قبلة الصائم ، وفي من أصبح جنبا لم يفسد صومه ، وفي تزويج النبي ميمونة رضي الله عنها وهو حرام ، وذلك يدل على أن أفعاله لا بد من أن يتمثل بها في طريقه . ولقائل أن يقول : على الدليل الأول ، الأمر يفيد التأسي به مرة واحدة ، كما أن قول القائل لغيره : لك في الدار ثوب حسن ، يفيد ثوبا واحدا ، فإن قلت : هذا إن ثبت تم عرضا من التعبد بالتأسي به صلى الله عليه وسلم في الجملة ، ولأنه يفيد إطلاق كون الشئ أسوة لنا ، ولا يطلق وصف الإنسان بأنه أسوة لزيد إلا لم يجز لزيد وصف أن يتبعه إلا في واحد ، وإنما يطلق ذلك لو كان ذلك الإنسان لزيد قدوة يهتدي به في