المقريزي
103
إمتاع الأسماع
المبرود يسخن بها فيتلذذ بذلك ، والجسم المحرور يزيد في كمية حرارته فيتألم بها ، فالنور واحد لهما ، وكل واحد منهما يتألم بما به ينعم الآخر بعينه ، فلو كان النور لإعطائه حقيقة واحدة ، وإنما ذلك لاستعداد القابل . وهكذا تجد الشمس تسود وجه القصار ( 1 ) وتبيض الثوب الذي يقصره ، فإن استعداد الثوب تعطي الشمس فيه التبييض ، ووجه القصار تعطي الشمس فيه التسويد ، وكذلك ترى الشمس تذيب الشمع والشحم ، وتجفف الطين والثوب المبلول ، فإن استعداد كل واحد من هذه المذكورات تعطيه الشمس بحسب قبوله ، ومن ذلك الهواء ، إذا هب فإنه في هبوبه يطفئ السراج ويشعل النار في الحطب ونحوه مما من شأنه أن يقبل الاشتغال ، وهكذا نفخك يطفئ السراج ويشعل النار في الحطب ، وربما كان ذلك بنفخة واحدة ، وذلك أن اختلافهما في الاستعداد يوجب اختلافهما في القبول ، والهواء واحد في عينه ، ومن هذا القبيل العطايا الإلهية ، قال تعالى : ( وما كان عطاء ربك محظورا ) ( 2 ) أي ممنوعا ، فهو سبحانه معط على الدوام ، والمحال تقبل على قدر ما أعطاها الله تعالى من الاستعدادات ، فإذا فهمت هذا علمت أن عطاء الله تعالى ليس بممنوع ، إلا أنك تحب أن يعطيك ما لا يقبله استعدادك وتنسب المنع إليه - سبحانه - فيما طلب منه ، ولا تجعل ما لك من الاستعداد وتقول : إن الله تعالى على كل شئ قدير ، وتصدق في ذلك ، ولكنك تغفل عن ترتيب الحكمة الإلهية وما تعطيه حقائق الأشياء والكل من عند الله ، فمنعه عطاء ، وعطاؤه منع ، ولكن بقي أن تعلم بكذا أو من كذا . وإذا تدبرت هذه الأمثلة انجلت لك شبهة ما أورده أهل الزيغ والإلحاد على عموم أن رسالة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم . قال أبو عبد الله محمد بن علي المعروف بالحكيم الترمذي : إن الأنبياء والرسل
--> ( 1 ) القصارة المحور للثياب لأنه يدقها بالقصرة التي هي القطعة من الخشب وحرفته القصارة ، والمقصرة : خشبة القصار . ( لسان العرب ) : 5 / 104 . ( 2 ) الإسراء : 20 .