الشيخ محمد هادي الطهراني النجفي

35

محجة العلماء في الأدلة العقلية

عليه وامّا قبله فيحصل القطع قهرا من دون امعان النظر وترتيب المقدّمات كما اتفق لأبان فإنه كان في غفلة من هذا فكشف الامام عليه السّلام عنه خطائه ونبّهه على أن الحكم الشرعي ليس متفرعا على ما بأيدي الناس من المباني فلا سبيل اليه الّا الاخذ من الصّادقين عليهم السّلام والحاصل ان المستفاد من كثير من الروايات ان الاحكام الشرعيّة ممّا لا تصل إليها الافكار وان الاستقلال لاستنباطها محق للدّين فلا عذر لمن تغافل عن هذا فحصل له القطع من الأقيسة والاستحسانات وما في حكمها حيث خالف الواقع واما العلم فلا معنى لرفع التأثير عنه ولا دلالة في الاخبار أيضا على ما ينافي ما قدمناه مع أنه لا يعتد بالنّقل المخالف للعقل وعن الفوائد المدنيّة ما ملخّصه انه لا ضابط للحفظ عن الخطاء في الفنون بأسرها وانّما الذي يمكن التحفظ عن الخطأ فيه هو الهيئة واما المادّة فإنما يبعد الخطأ فيها إذا كانت بديهيّة واما إذا كانت نظريّة كما هو الحال في أكثر الفنون فلا يعقل ان توضع قاعدة تكفل بفصل الخطاء فيها عن الصّواب ولهذا وقعت المشاجرات بين الفلاسفة حتى ادعوا البديهة على طرفي النقيض في كون تفرق ماء كوز إلى كوزين اعداما لشخصه واحداثا لشخصين آخرين وعدمه وعلى الوجهين فرّعوا اثبات الهيولى ونفيها واما الفقه فإنما يستند الاختلاف فيه إلى ضم المقدّمة العقليّة إلى النقليّة فمن اعتمد على ما ليس مادّته قرينة من الاحساس فقد تعرّض للخطاء هذا ملخص كلامه زاد اللّه في علوّ مقامه وفيه انه لو لم يمكن وضع ضابط يرجع اليه في تمييز الحق عن الباطل في مادة القياس ذا كانت بعيدة عن الاحساس لم يمكن تحصيل العلم في أكثر المسائل مع أن المنطق متكفل بالحفظ عن الخطأ من جهة المادة أيضا ضرورة انها إذا لم تكن بديهيّة فهي مستنتجة بأحد الاشكال الأربعة من مادة أخرى بديهيّة أو منتهية إلى ما هي بديهيّة بالذات وبالجملة لا اشكال في انّ ما بالغير لا بد ان ينتهى إلى ما بالذات والمعلوم بالذات هو البديهىّ فغيره لا يعقل ان يعلم الّا بالانتهاء اليه ومن هذا يظهر ان الخطاء ان كان في أصول المواد فهو خطأ في البديهيات وان كان فيما يتولّد منها فهو خطأ في الهيئة فالخطأ دائما في أحد البديهيّتين وهو في الأول بعيد فالغالب فيه في انتهاء مادة إلى أخرى بأحد الاشكال ولا ينافي ذلك كون المنطق عاصما حيث إنه ليس علة تامّة للاعتصام بل انما هو آلة لذلك مع أن ما نقله من اختلاف الاشراقيّين والمشائيّين في اثبات الهيولى لا يقتضى سقوط المنطق عن الاعتبار على ما زعمه لان غاية ما يفيده الانتهاء إلى البديهىّ فاشتباه البديهي أو بداهية لا يمنع من الركون إلى البديهيّات ولا يخفى على من له أدنى خبرة بالفقه ان الاختلافات فيه ليست مستندة إلى الاختلاف في المقدمات العقليّة بل انما نشأت من الاختلاف في الدلالة أو السند أو الترجيح وقد يستند إلى الاختلاف في الأصول العقليّة وهو في غاية الشذوذ وليس هذا من ضمّ العقل إلى النقل بل انما هو في مقام قصور اليد عن النقل مع أنك قد عرفت ان العقل هو المرجع في تلك المرحلة وليست وظيفة المتحيّر ممّا تخفى على العقل ويقصر عن الإحاطة بجهاتها فان المرجع في معرفة شؤون الإطاعة والمعصية