الشيخ محمد هادي الطهراني النجفي
32
محجة العلماء في الأدلة العقلية
من الاخبار وان كانت موهمة لذلك ولكن من المعلوم ان المراد معنى آخر اما الرّواية الأولى فان من المعلوم ان العزم على الكفر ليس شرّا من الكفر وكذا العزم على كل معصية ليس شرّا منها بالضّرورة بل لا يبلغ العزم على الفعل عشرا من معشار ما في ما عزم عليه من الفعل والامر في الرواية الثانية اظهر حيث إن التعليل انما هو في مقام بيان ان الخلود ليس ظلما حيث إن السائل توهم ان العقاب الغير المتناهى لمعصية متناهية ظلم ومن المعلوم ان كون متعلق العزم على المعصية مما لا نهاية له لا ينافي كون نفس العزم متناهيا فيعود الاشكال بل يكون أعظم ضرورة ان نفس الكفر لتناهى زمانه حيث لم يصلح لان يكون موجبا للخلود فالعزم عليه التابع له في القبح والمبغوضيّة بالطريق الأولى مع أنه لو كان العزم على العصيان الأبدي موجبا للخلود لزم خلود المسلم العازم على دوام العصيان وان بقي سرمدا والمسلم العازم على الكفر الذي مات قبل الكفر غير مخلّد مع وجود السّبب فيه الّا ان يدعى الاستحقاق ويدعى العفو فبقى اشكال خلود الكافر الذي من عزمه الاعراض عن كفره أو المتردّد في دينه وبالجملة فعدم كون المقصود من هذه الرّوايات ما يتراءى أوضح والتحقيق ان لكلّ من المؤمن والكافر جهتين الكفر والايمان القائمان بالنفس والانكار والتصديق اللذان هما من قبيل الافعال وقيامهما بالنفس باعتبار أشرنا اليه سابقا لا ينافي كونهما من افعال الجوارح كما هو المطرد في جميع ما يستعان فيه بالجوارح وساير الآلات ولما كان في القرب والبعد من الله تعالى انما هو اقبال النفس وادبارها وما هي عليه من الصّفاء والكدرة والاخلاق الحسنة والذّميمة والافعال وسيلة إليها صارت الحالة النفسانيّة شرّا من فرعها المترتّب عليها وكما يترتّب الفعل على ما في النفس فكذا يزداد ما كان فيها بما يصدر من الشخص بل وكذا المعرفة والايمان ولهذا يستكمل بالورع وإلى ما حققناه أشير بقوله عليه السّلام نيّة الكافر شر من عمله ونيّة المؤمن خير من عمله واما قوله عليه السّلام انّما يحشر النّاس على نيّاتهم فلا اشكال في ان النيّة فيه ليست عبارة عن القصد فإنها على تقدير الحرمة من الصّغائر فكيف ينحصر الحشر فيها فالمراد بها الملكات التي يعمل العامل بمقتضاها لضعف التقوى وعدم مقاومتها لما يقتضيه الطباع كما هو الغالب والحشر عليها امّا بمعنى ان الحشر على صورة مناسبة لملكته فالمتكبر بصورة النمل والزاني بصورة الخنزير كما هو المصرّح به في الاخبار بمعنى ان العاصي إذا كان فيه ملكة ذلك العصيان وكان من أخلاقه بان يكون متكبّرا أو زانيا أو تاركا للصلاة فيحشر بصورة تقتضيه ملكته ولا يكفى فيه مجرّد الفعل ولا السّريرة المحضة واما بمعنى ان المناط في الثواب والعقاب في الحشر تلك الملكات لا الافعال كما يدل عليه قوله تعالى ( يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) فان القلب عبارة عن النفس الناطقة وسلامتها عبارة عن خلوّها عن الاخلاق الرذيلة المعبر عنه في لسان أهل المعرفة بالعدالة وفي لسان أهل الشرع بالتقوى والايمان فان لها مراتب يعبّر بعضها في الخلاص عن العذاب وبعضها في الترقّى إلى الدّرجات العالية كما يستفاد من الآيات والاخبار