الشيخ محمد هادي الطهراني النجفي
182
محجة العلماء في الأدلة العقلية
الأول ولنتكلم منهم على الثاني ولقد أطالوا فيه الكلام وأكثروا من النقض والابرام ولكن قد عرفت ان هذا النزاع غلط باطل لا محصل له فان البحث انما هو عن حقيقة الخبر والانشاء وما به تتميّز ماهيّتهما والمطابقة والمخالفة في هذه المرحلة لا يختلف حالهما باختلاف كون الأصل في التطابق هو النسبة الخارجيّة أو النسبة الذهنيّة فان الصّلوح يكفى في تحقق الماهيّة ويستحيل اختصاص احدى النّسبتين بالصّلوح للتطابق فان كلّما يصلح لا يتصف بالمطابقة والمخالفة مع النسبة الخارجيّة يصلح لان يتصف بهما بالنسبة إلى الذهنيّة وما لا يصلح وهو الانشائيّة لا يصلح للموازنة بشيء من النسبتين فالنزاع في ان الأصل في التطابق في النسبة اللفظيّة هل هو الخارجيّة أو الذهنيّة غلط صرف والاختلاف في الصّدق والكذب في هذا المقام وهو تحقيق حقيقة الكلام وتمييز الخبر منه من الانشاء مرجعه إلى تعيين القوم للخبر وامّا النزاع في مفهوم اللفظين وما وضعا له فمرجعه أهل اللغة وعلائم الحقيقة ولا ربط له بالمقام مع أن ما استدلّوا به لا يدلّ على الاستعمال فكيف يدل على الوضع مع أن الاستعمال على تقدير ثبوته أعم وفي هذا البيان غنية عن التعرض لخرافات الجاحظ والنظام وما صدر ممّن يقاربهما في الدّرجة والمقام واعلم أن مدلول الكلام اوّلا انما هو ما في نفس المتكلم من النسبة التّامّة الموافقة للنسبة اللفظيّة سواء كانت خبرية أو انشائيّة ومع ذلك فالملحوظ في التطبيق في الاخبار انما هو النسبة الخارجيّة وتوضيح ذلك انّ الدلالة عبارة عن كون الشيء بحيث يلزم من التصديق به التصديق بشيء آخر فان الدليل هو الوسط في الاثبات واماما يوجب التصور فهو المعروف فان معرف الشيء ما يقال عليه لإفادة تصوره بمعنى معرفته فالتعريف عليه تصور حاصل لتصور غير حاصل لتصديق غير حاصل واما التصور بمعنى الخطور فليس من العلم بل هو جهل صرف فما أوجب خطور شيء في الذّهن ليس دليلا عليه ولا معرفا له والتصور بمعنى الخطور ليس علما وقسيم التصديق انما هو المعرفة لا الخطور فاللفظ لا يمكن ان يدل بمجرد الوضع على شيء بل المفرد لا يعقل كونه دليلا فان التصديق لا بد ان يكون متعلقا بالنسبة التامّة فالدليل انّما هو الكلام على ما في نفس المتكلم في مقام الافهام فالوضع انما هو للتركيب والمركب للأفهام فالمتكلم إذا علم منه انه بصدور الإفادة وانه عارف بمعنى اللفظ وانه ليس ساهيا ولا غافلا ولا مجنونا ولا نائما ولا سكرانا ولا مغمى عليه وانه لم يصرفه شيء كالخوف وغيره عن اظهار ما في ضميره وانه لم يعتمد على ما يصرف اللفظ عما وضع له حصل العلم في الاخبار بأنه معتقد بمعناه وجازم بمؤداه حيث علم من حاله انه يريد ان يعلم المخاطب بما اخبر به ويجعله عالما بالواقع باعلامه بما في نفسه حيث إن المخاطب ممّن لا يحتمل خطائه في اعتقاده لكون المطلب محسوسا أو قسما آخر من الضّروريات فالمخاطب يقطع من الكلام باعتقاد المتكلم ثم من اعتقاده يعتقد بالواقع فالكلام دليل على اعتقاد المتكلّم مع استجماع الشرائط وهذه الدلالة دلالة انية فان المعلول وهو الكلام دلّ على علته وهو ابراز ما في ضميره وحيث كان تلازم بين اعتقاده وبين الواقع اما للعصمة واما لامر آخر فيدل أحد المعلولين على الآخر وعلى هذا القياس النّسبة الانشائيّة لا تتصف بالمطابقة والمخالفة مع النسبة الخارجيّة فالغرض انما هو الكشف عمّا في الضّمير في الانشاءات فالغرض الأصلي من الكلام انما هو بيان الواقع والدلالة على النسبة الخارجية لكن المدلول اوّلا انما هو النسبة الذهنيّة لان اللّفظ من حيث إنه فعل اختياري للمتكلّم له علاقة مع ما في ضميره حيث علم انّه انما دعاه عليه ابرازه واما الواقع فلا علقة