المقريزي

398

إمتاع الأسماع

قال : وإذا كان مثل هذا بين الناس مستعملا في آدابهم وحسن معاشرتهم وخطابهم ومطالبهم ، فاستعماله في حقه صلى الله عليه وسلم أوجب والتزامه آكد ، فجودة العبارة تفج الشئ أو تحسنه ، وتحريرها وتهذيبها يعظم الأمر أو يهونه ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : إن من البيان لسحرا . فأما ما أورده على جهة النفي عنه والتنزيه فلا حرج في تسريح العبارة وتصريحها فيه ، كقوله : لا يجوز عليه الكذب جملة ولا إتيان الكبائر بوجه ، ولا الجور في الحكم على حال ولكن مع هذا يجب ظهور توقيره ، وتعظيمه ، وتعزيره عند ذكره مجردا ، فكيف عند مثل هذا ؟ قال في حكم سابه ، وشانئه ، ومنتقصه ومؤذيه : وعقوبته أن مشهور مذهب مالك وأصحابه وقول السلف وجمهور العلماء قبله حدا لا كفرا إن أظهر التوبة منه ولهذا لا يقبل عندهم توبته ، لا تنفعه استقالته ولا فيأته فيه ، وحكمه حكم الزنديق ، ومسر الكفر ، وسواء كانت توبته على هذا بعد القدرة عليه ، والشهادة على قوله ، أو جاء تائبا من قبل نفسه ، لأنه حد واجب لا تسقطه التوبة . قال أبو الحسن القابسي : إذا أقر بالسب وتاب منه وأظهر التوبة قتل بالسب لأنه هو حده . قال القاضي عياض : وهذا قول أصبغ ، ومسألة ساب النبي صلى الله عليه وسلم أقوى ، لا يتصور فيها الخلاف على الأصل لأنه حق متعلق للنبي صلى الله عليه وسلم ولأمته بسببه لا تسقطه التوبة كسائر حقوق الآدميين ، والزنديق إذا تاب بعد القدرة عليه فعند مالك والليث وإسحاق وأحمد لا تقبل توبته ، وعند الشافعي تقبل ، واختلف فيه عن أبي حنيفة وأبي يوسف . وحكى ابن المنذر عن علي بن أبي طالب يستتاب ، وقال محمد بن سحنون : ولم يزل القتل عن المسلم بالتوبة من سبه صلى الله عليه وسلم ، لأنه لم ينتقل من دين إلى غيره ، وإنما فعل شيئا حده عندنا القتل لا عفو فيه لأحد كالزنديق ، لأنه لم ينتقل من ظاهر إلى ظاهر . وقال القاضي أبو محمد بن نصر محتجا لسقوط اعتبار توبته : والفرق بينه وبين من سب الله تعالى على مشهور القول باستتابته أن النبي صلى الله عليه وسلم بشر ،