المقريزي
399
إمتاع الأسماع
والبشر جنس تلحقهم المعرة إلا من أكرمه الله تعالى بنبوته ، والبارئ تعالى منزه عن جميع المعايب قطعا ، وليس من جنس تلحق المعرة بجنسه ، وليس سبه صلى الله عليه وسلم كالارتداد المقبول فيه التوبة ، لأن الارتداد معنى ينفرد به المرتد لا حق فيه لغيره من الآدميين ، فقبلت توبته ومن سب النبي صلى الله عليه وسلم تعلق فيه حق لآدمي فكان كالمرتد ويقتل حين ارتداده ، أو يقذف ، فإن توبته لا تسقط عنه حد القتل والقذف . وأيضا فإن توبة المرتد إذا قبلت لا تسقط ذنوبه من زنا وسرقة وغيرها ولم يقتل ساب النبي لكفره لكن لمن يرجع إلى تعظيم حرمته ، وزوال المعرة به ، وذلك لا تسقطه التوبة . قال القاضي عياض : يريد - والله أعلم - أن سبه لم يكن بكلمة تقتضي الكفر ، ولكن بمعنى الازراء أو الاستخفاف أو لأن بتوبته وإظهار إنابته ارتفع عنه اسم الكفر ظاهرا ، والله تعالى أعلم بسريرته ، وبقي حكم السب عليه . وقال أبو عمران القابسي : من سب النبي صلى الله عليه وسلم ثم ارتد عن الإسلام قتل ، ولم يستتب ، لأن السب من حقوق الآدميين التي لا تسقط عن المرتد . قال القاضي عياض : وكلام شيوخنا هؤلاء مبني على القول بقتله حدا لا كفرا وهو يحتاج إلى تفصيل ، وأما على رواية الوليد بن مسلم ، عن مالك ومن وافقه على ذلك ممن ذكرناه ، وقال به من أهل العلم ، فقد حرروا أنه ردة ، قالوا : ويستتاب منها ، فإن تاب نكل به ، وإن أبي قتل ، فحكم بحكم المرتد مطلقا في هذا الوجه الأول أشهر وأظهر لما قدمناه . ونحن نبسط الكلام فيه فنقول : من لم يره ردة فهو يوجب القتل وفيه حدا ، وإنما نقول ذلك مع فصلين ، إما مع إنكار ما شهد عليه به ، أو إظهاره الاقلاع والتوبة عنه ، فنقتله حدا لثبات كلمة الكفر عليه في حق النبي صلى الله عليه وسلم وتحقيره ما عظم الله تعالى من حقه ، وأجرينا حكمه في ميراثه وغير ذلك حكم الزنديق إذا ظهر عليه ، وأنكر أو تاب . فإن قيل : فكيف تثبتون عليه الكفر ويشهد عليه بكلمة الكفر ولا تحكمون