المقريزي
396
إمتاع الأسماع
السالفة ، وكذا وقع ذكره في كتاب أرمياء ، وبهذا وصفه ابن ذي يزن لعبد المطلب ، وبحيرا لأبي طالب . وكذلك إذا وصف بأنه أمي كما وصفه الله تعالى به ، فهي مدحة له ، وفضيلة ثابتة فيه ، وقاعدة معجزته ، إذ معجزته العظمى من القرآن العظيم إنما هي متعلقة بطريق المعارف والعلوم ، مع ما منح صلى الله عليه وسلم وفضل به من ذلك ، ووجود مثل ذلك من رجل لم يقرأ ، ولم يكتب ولم يدارس ، ولا لقن ، ومقتضى العجب ! ومنتهى العبر ، ومعجزة البشر ، وليس في ذلك نقيصة إذ المطلوب من الكتابة والقراءة والمعرفة إنما هي آله لها واسطة موصلة إليها غير مرادة في نفسها فإذا حصلت الثمرة والمطلوب استغنى عن الواسطة والسبب . والأمية في غيره نقيصة ، لأنها سبب الجهالة وعنوان الغباوة فسبحان من باين أمره من أمر غيره وجعل شرفه فيما فيه محطة سواه ، وحياته فيما فيه هلاك من عداه ، ففي شق قلبه وإخراج حشوته ، كان تمام حياته ، وغاية قوة نفسه ، وثبات روعه ، وهو فيمن سواه منتهى هلاكه وحتم موته وفنائه ، وهلم جرا ، إلى سائر ما روي من أخباره وسيره وتقلله من الدنيا من الملبس ، والمطعم والمركب ، وتواضعه ، ومهنته نفسه في أموره ، وخدمة بيته ، زهدا ورغبة عن الدنيا ، وتسوية بين حقيرها وخطيرها ، لسرعة فناء أمورها ، وتقلب أحوالها كل هذا من فضائله ، ومآثره ، وشرفه فمن أورد شيئا منها مورده ، وقصده بها مقصده . ورحم الله مالكا ، فلقد كره التحدث بمثل ذلك من الأحاديث الموهمة للتشبيه ، والمشكلة المعنى ، وقال : ما يدعو الناس إلى التحدث بمثل هذا ؟ فقيل له : إن ابن عجلان يحدث بها ، فقال : لم يكن من الفقهاء ، ليت الناس وافقوه على ترك الحديث بها ، وساعدوه على طيها ، فأكثرها ليس تحته عمل ، وقد حكى عن جماعة من السلف بل عنهم على الجملة أنهم كانوا يكرهون الكلام فيما ليس تحته عمل ، والنبي صلى الله عليه وسلم أوردها قوما عربا يفهمون كلام العرب على وجهه وتصرفاتهم في حقيقته ، ومجازه ، واستعارته ، وبليغه وإيجازه ، فأم تكن في حقهم مشكلة ، ثم جاء من غلبت عليه العجمة وداخلته الأمية ، فلا يكاد يفهم