المقريزي

395

إمتاع الأسماع

الوجه التاسع : أن يذكر ما يجوز على النبي صلى الله عليه وسلم أو يختلف في جوازه عليه وما يطرأ من الأمور البشرية به ، ويمكن إضافتها إليه ، أو يذكر ما امتحن به وصبر في ذات الله تعالى على شدته من مقاساة أعدائه ، وأذاهم له ومعرفة ابتداء حاله وسيرته ، وما لقيه من بؤس زمته ، ومر عليه من معاناة عيشه ، كل ذلك على طريق الرواية ومذاكرة العلم ومعرفة ما صحت منه العصمة للأنبياء وما يجوز عليهم ، فهذا من خرج عن هذه الفنون الستة ، إذ ليس فيه غمص ولا يقص ، ولا إزراء ولا استخفاف ولا في ظاهر اللافظ ولا في مقصد اللفظ ، لكن يجب أن يكون الكلام فيه مع أهل العلم ، وفهم طلبة الدين ممن يفهمون مقاصده ، ويحققون فوائده ويجنب ذلك من عساه لا يفقه ، أو يخشى به فتنته ، فقد كره بعض السلف تعليم النساء سورة يوسف ، لما انطوت عليه من تلك القصص ، لضعف معرفتهن ، ونقص عقولهن وإدراكهن ، فقد قال صلى الله عليه وسلم مخبرا عن نفسه باستئجاره لرعاية الغنم في ابتداء حاله ، فقال : ما من نبي إلا وقد رعى الغنم . وأخبرنا الله تعالى بذلك عن موسى عليه السلام ، وهذا لا غضاضة فيه جملة واحدة ، لمن ذكره على وجهه ، بخلاف من قصده به الغضاضة والتحقير بل كانت عادة جميع العرب ترى في ذلك للأنبياء حكمه بالغة ، وتدريج لله تعالى إلى كرامته وتدريب برعايتها لسياسة أممهم من خليقته ، بما سبق لهم من الكرامة في الأزل ، ومتقدم العلم ، وكذلك ذكر الله تعالى يتمه وعيلته على طريق المنة عليه ، والتعريف بكرامته له ، فذكر الذاكر لها على وجه تعريف حاله والخبر عن مبتدئه ، والتعجب من منح الله تعالى قبله ، وعظيم منته عنده ، ليس فيه غضاضه بل فيه دلالة على نبوته ، وصحة دعوته ، إذ أظهره الله تعالى بعد هذا على صناديد العرب ومن ناوأه من أشرافهم ، شيئا فشيئا ، ونمى أمره حتى قهرهم ، وتمكن من ملك مقاليدهم ، واستباحة ممالك كثير من الأمم غيرهم ، بإظهار الله ، تعالى له ، وتأييده بنصره وبالمؤمنين ، وألف بين قلوبهم ، وإمداده بالملائكة المسومين ، ولهذا قال هرقل حين سأل أبا سفيان عنه : هل في آبائه من ملك ؟ ثم قال : ولو كان في آبائه ملك لقلنا رجل يطلب ملك أبيه ! وإذا اليتيم من صفته وإحدى علاماته في الكتب المتقدمة ، وأخبار الأمم