المقريزي

394

إمتاع الأسماع

في كتبهم ومجالسهم ، ليبينوها للناس ، وينقضوا شبهها عليهم وإن كان ورد لأحمد بن حنبل رحمه الله إنكار لبعض هذا على الحارث بن أسد ، فقد صنع أحمد مثله في رده على الجهمية ، والقائلين بالمخلوق ، وهذه الوجوه السابقة الحكاية عنها ، وأما ذكرها على هذا من حكاية سبه صلى الله عليه وسلم والازراء بمنصبه على وجه الحكايات والأسمار والطرف ، وأحاديث الناس ، ومقالاتهم في الغث والسمين ، ومضاحك المجان ، ونوارد السخفاء ، والخوض في قيل وقال ، وما لا يعني فكل هذا ممنوع وبعضه أشد في المنع والعقوبة من بعض ، فما كان من قائله الحاكي له على غير قصد أو معرفة بمقدار ما حكاه أو يكن الكلام من البشاعة حيث هو ولم يظهر على حاكيه استحسانه واستصوابه ، ونهى عن العودة إليه ، وإن قوم ببعض الأدب فهو مستوجب له ، وإن كان لفظه من البشاعة حيث هو كان الأدب أشد . وقد حكي أن رجلا سأل مالكا رحمه الله عمن يقول : القرآن مخلوق ، فقال مالك : كافر فاقتلوه ، فقال إنما حكيته عن غيري . فقال مالك : إنما سمعناه منك ، وهذا من مالك - رحمه الله - على طريق الزجر والتغليظ بدليل أنه لم ينفذ قتله ، وإن أتاهم هذا الحاكي فيما حكاه أنه اختلقه ونسبه إلى غيره ، أو كانت تلك عادة له ، أو ظهر استحسانه لذلك ، أو كان مولعا بمثله ، والاستخفاف له ، أو التحفظ لمثله ، وطلبه ، ورواية أشعار هجوه صلى الله عليه وسلم ، وسبه ، فحكم هذا حكم الساب نفسه ، يؤاخذ بقوله ، ولا ينفعه نسبته إلى غيره ، فيبادر بقتله ، وتعجل إلى الهاوية أمه . وقد قال أبو عبيد القاسم بن سلام في من حفظ شطر بيت مما هجي به النبي صلى الله عليه وسلم : فهو كفر ، وقد ذكر بعض من ألف في الإجماع ، إجماع المسلمين على تحريم رواية ما هجي به النبي صلى الله عليه وسلم وكتابته ، وقراءته ، وتركه متى وجد دون محو ورحم الله أسلافنا المتقين المحرزين لدينهم ، فقد أسقطوا من أحاديث المغازي والسير ما كان هذا سبيله ، وتركوا روايته ، وإلا أشياء ذكروها يسيرة وغير مستبشعة على نحو الوجوه الأول ، ليروا نقمة الله من قائلها ، وأخذه المفترى عليه بذنبه .