المقريزي

345

إمتاع الأسماع

قال أبو قتادة : فلما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البيعة فر الجد بن قيس فدخل تحت بطن البعير ، فخرجت أعدو ، وأخذت بيد رجل كان يكلمني ، فأخرجناه من تحت بطن البعير ، فقلت : ويحك ! ما أدخلك هاهنا ؟ أفرارا مما نزل به روح القدس ؟ قال : لا ، ولكني رعبت وسمعت الهيعة ( 1 ) . قال الرجل : لا نضحت عنك ( 2 ) أبدا ، وما فيك خير . فلما مرض الجد بن قيس ونزل به الموت لزم أبو قتادة بيته فلم يخرج حتى مات ودفن ، فقيل له في ذلك فقال : والله ما كنت لأصلي عليه وقد سمعته يقول يوم الحديبية كذا وكذا ، وقال في غزوة تبوك كذا وكذا ، واستحييت من قومي يرونني خارجا ولا أشهد . ويقال : خرج أبو قتادة إلى ماله بالواديين فكان فيه حتى دفن ، ومات الجد في خلافة عثمان - رضي الله تبارك وتعالى عنه - ( 3 ) . ومرارة بن ( 4 ) الربيع وهو الذي ضرب بيده على عاتق عبد الله بن أبي ، ثم قال : تمطى ، والنعيم لنا من بعده كائن نقتل الواحد المفرد ، فيكون الناس عامة بقتله مطمئنين ، بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : ويحك ما حملك على أن تقول الذي قلت ؟ فقال : يا رسول الله إن كنت قلت شيئا من ذلك إنك لعالم به ، وما قلت شيئا من ذلك ( 5 ) . وعبد الله بن عيينة وهو الذي قال لأصحابه : اشهدوا هذه الليلة تسلموا الدهر كله ، فوالله ما لكم أمر دون أن تقتلوا هذا الرجل ، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ويحك ما كان ينفعك من قتلي لو أني قتلت ، فقال عدو الله : يا نبي ، الله ! والله لا تزال بخير ما أعطاك الله النصر على عدوك ، إنما نحن بالله وبك فتركه رسول الله صلى الله عليه وسلم ( 6 ) .

--> ( 1 ) الهيعة : الصوت تفزع منه وتخافه من عدو . ( 2 ) نضح عنه : ذب ودفع . ( 3 ) ( مغازي الواقدي ) : 2 / 590 - 591 . ( 4 ) مرارة بن ربيعة . ويقال : ابن ربيع العمري الأنصاري . من بني عمرو بن عوف ، شهدا بدرا . وهو أحد الثلاثة الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ، وتاب الله عليهم ، ونزل القرآن في شأنهم ( الإستيعاب ) : 3 / 1382 ، ترجمة رقم ( 2361 ) ، ( الإصابة ) : 6 / 65 ، ترجمة رقم ( 7870 ) ، ( 5 ) دلائل البيهقي ) : 5 / 259 . ( 6 ) ( المرجع السابق ) : 5 / 258 .