المقريزي
316
إمتاع الأسماع
قوله ، ويسمون هذا الفصل النسئ ، لأنهم كانوا ينسؤون أول السنة في كل سنتين أو ثلاث أشهر على حسب ما يستحقه التقدم ، وكان النسئ الأول للمحرم ، فيسمي صقر باسمه ، ويسمي ربيع الأول باسم صفر ، ثم قالوا : بين أسماء الشهور ، وكان النسئ الثاني لصفر ، فسمي الشهر الذي يتلوه بصفر أيضا ، وكذلك حتى دار النسئ في الشهور الاثني عشر ، وعاد إلى المحرم ، فعادوا بها فعلهم الأول ، وكانوا يعدون إذا رأوا النسئ ويحدون بها الأزمنة فيقولون قد دارت السنون من لدن زمان كذا إلى زمان كذا وكذا دورة ، فإن ظهر لهم مع ذلك تقدم شهر عن فصل من الفصول الأربعة ، لما يجتمع من كسور سنة الشمس ، وبقية فصل ما بينهما وبين سنة القمر الذي ألحقوه بها ، كبسوه كبيسا زائدا ، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم حتى دار النسئ وعادت الشهور ، فبعث أبا يكر - الصديق - رضي الله تبارك وتعالى عنه - على الحج في سنة تسع من الهجرة ، وقد وافق الحج في ذي القعدة ، فلما كانت سنة عشر ، عادت الشهور إلى مواضعها الحقيقية ، فحج رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ حجة الوداع وقال ألا إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرض ، يعني أن الشهور قد عادت إلى مواضعها ، وزال عنه فعل العرب الذي أحدثوه من النسي ، وأنزل الله عليه تحريم النبي فقال سبحانه وتعالى ( إنما النسئ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عنده ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله ) ( 1 ) الآية . ويقال : إن القلمس - وهو سدم بن ثعلبة بن مالك بن كنانة - قال : أري شهور الأهلة ثلاثمائة يوم وخمسة وستين يوما ، فبيننا وبينهم أحد عشر يوما ففي كل ثلاث سنين شهر ، فهذا نسئ ، والنسئ المؤخر ، فكان إذا جاءت ثلاث سنين قدم الحج في ذي القعدة ، فإذا جاءت ثلاث سنين أخرها في المحرم وكان الناسئ من بني ثعلبة بن مالك بن كنانة يقوم على باب الكعبة فيقول : إن إلهتكم العزي قد أنسأت صفر الأول ، وكان يحله عاما ويحرمه عاما وعن طاوس أنه قال : شهر الله الذي انتزعه من الشيطان المحرم ، قال الزبير ابن بكار : وتفسيره أن أهل الجاهلية كانا يقولون صفر ، وكانوا يحلون صفر عاما ، ويحرمونه عاما ، فجعل الله تعالى المحرم
--> ( 1 ) التوبة : 37