المقريزي
266
إمتاع الأسماع
عن كفرهم وضرب بعضهم رقاب بعض . فإنهم فعلوا . فقد وجد المنهي عنه إلا أنهما إذا اجتمعنا كان المنهي أشد . وقال بعض العلماء : النهي يكون عن الصفة الناشئة ونظيره : قول الرجل لزوجته : إن كلمت الرجل طويلا فأنت طالق ، فكلمت رجلا قصيرا ، لم تطلق ، فكذلك إذا رجعوا كفارا ولم يضرب بعضهم رقاب بعض . وهذا القول فيه بعد ، وذلك أن الكفر قد علم النهي عنه بدون أن يضرب بعضهم رقاب بعض ، ويجوز أن يروى يضرب بالجزم على تقدير شرط مضم ، أي ترجعوا كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض . هذل الحديث من باب قوله تعالى ( فهب لي من لدنك وليا يرثني ) بالرفع والجزم إلا أن أكثر المحققين من النحويين لا يجيزون الجزم في مثل هذا الحديث لئلا يصير المعني . ألا ترجعوا كفارا ويضرب ، وهذا قيد المعني ، بل قال : لا ترجعوا بعدي كفارا تسلموا وتوادوا كان مستقيما ، لأن التقدير : ألا ترجعوا كفارا تسلموا . ونظير ذلك قولك لا تدن من الأسد تنج ، أي ألا تدن فجعل التباعد من الأسد شيئا في السلامة ، وهذا صحيح . ولو قلت لا تدن من الأسد يأكلك ، كان فاسدا ، لأن التباعد منه ليس بسبب في الأكل ، فغن قلت : فلم لا يقدر أن يقال بغير لأن قيل : ينبغي أن يكون المعدود من جنس الملفوظ . وقد ذهب قوم إلى جواز الجزم ها هنا على هذا التقدير ، وعليه يجوز الجزم في هذا بالحديث . وقيل : ليس المراد النهي عن الكفر ، بل النهي عن الاختلاف المؤدي إلى القتل فعلى هذا يكون يضرب مرفوعا ، ويكون تغيرا ، للكفر المراد بالحديث . انتهي . وخرج مسلم من حديث يحيى بن أيوب عن يزيد بن أبي حبيب ، عن مرثد ، عن عقبة بن عامر - رضي الله تبارك وتعالى عنه - قام : صلى الله عليه وسلم على قتلي أحد ، ثم صعد المنبر كالمودع للأحياء والأموات ، فقال : إني فرطكم على الحوض وإن عرضه كما بين أيلة إلى الجحفة ، وإني لست أخشى عليكم