ميرزا محمد حسن الآشتياني

87

بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )

الخطاب للحرام المعلوم بالإجمال فالأولى ابتناء ثبوت المقتضي على اعتراف الخصم فإنه يعترف بأن الحليّة في المقام ليست هي الحليّة الواقعيّة بل الحلّيّة الظاهريّة المجامعة للحرمة الواقعيّة ( قوله ) وأما عدم المانع فلأن العقل إلخ ( 1 ) ( أقول ) لا يخفى عليك أن ما يتصوّر أن يكون مانعا من جانب العقل أمور ثلاثة ( أحدها ) قبح العقاب من غير بيان وعلم ( ثانيها ) قبح التكليف بما لا يطاق ( ثالثها ) قبح الخطاب بالمجمل وهذه أمور تمسّكوا بها على البراءة في الشك في التكليف بل في الشكّ في المكلّف به أيضا في الشّبهة الحكمية بل في الشبهة الموضوعيّة أيضا في الجملة وشيء منها لا يقتضي للمانعيّة في المقام ( أمّا الأوّل ) فلأن البيان الذي يحكم العقل بقبح العقاب مع عدمه هو الأعمّ من البيان الإجمالي والتفصيلي يشهد بذلك حكم العقلاء قاطبة بحسن مؤاخذة المولى عبده الغير الآتي بما قطع إرادة المولى منه إجمالا في ضمن أمور محصورة فالعقاب على المعلوم بالإجمال كالعقاب على المعلوم بالتفصيل عقاب مع البيان لا بدونه ( وأمّا الثاني ) فلأن مسألة التكليف بما لا يطاق لا دخل لها بمسألة البراءة والاشتغال حتى في الشك في التكليف أيضا لأن البحث فيها مختصّ بما إذا تمكّن المكلّف من الإطاعة والاحتياط وقد مضى تفصيل القول في ذلك في المقام الأول فراجع إليه ( وأمّا الثالث ) فلأنه لو سلّم قبح الخطاب بالمجمل حتى فيما يتمكّن المكلّف من الامتثال فلا نسلمه في المقام لأن الاشتباه فيه لا دخل له بإجمال الخطاب الصادر من الشارع كما لا يخفى وإلا حسن أن يقال إن العقل مضافا إلى عدم منعه من تنجّز الخطاب المعلوم بالإجمال يحكم بالاستقلال على وجوب إطاعته وقبح مخالفته وتجويز الشارع إيّاها كتقبيحه تجويز الشارع المخالفة في صورة العلم التفصيلي والوجه فيما ذكرنا من أولويّة التقرير المذكور مضافا إلى كون الأمر كذلك واقعا هو ابتناء تماميّة ما يذكره في بيان عدم المانع الشرعي عليه كما ستقف عليه إن شاء اللّه تعالى وهذا وإن أمكن استفادته مما ذكره دام ظلّه إلا أن ما ذكرنا من البيان أولى وأوفى كما لا يخفى بل قد يقال بأن المقتضي للتحريم الواقعي والمثبت له وإن كان هو الخطاب الواقعي إلا أن الحاكم بوجوب إطاعته ليس إلا العقل فهو بالنسبة إلى وجوب الإطاعة لا اقتضاء له أصلا نعم هو موجد لموضوع حكم العقل لا أن يكون مقتضيا لوجوب الإطاعة وبعبارة أخرى الخطاب الواقعي لا أثر له إلّا بالنسبة إلى إيجاد الحرمة الواقعيّة وأمّا تنجزه المقتضي لحسن المؤاخذة على مخالفته فهو ممّا يحكم به العقل ليس إلّا فتدبّر ( قوله ) فلم يرد فيه ما يصلح للمنع إلخ ( 2 ) ( أقول ) ومثل الخبرين الأخبار المطلقة الدالة على البراءة الشاملة للشبهة الحكميّة والموضوعيّة كقوله الناس في سعة ما لم يعلموا ورفع عن أمتي تسعة وعدّ منها ما لا يعلمون إلى غير ذلك بناء على كون الظاهر من العلم هو العلم التفصيلي لا الأعمّ منه ومن الإجمالي ومن هنا تمسّك بها بعض الأصحاب على الحليّة في المقام أيضا إلّا أن صلاحية الخبرين أقوى لضعف القول بأن المراد من العلم في هذه الأخبار هو خصوص التفصيلي لا الأعمّ ولمكان ضعفه أعرض الأستاذ العلّامة عن ذكرها ويمكن أن يقال إن مراده دام ظلّه من قوله فيما سيجيء وغير ذلك هي الأخبار المطلقة أو الأعمّ منها ومما يقرب الخبرين في المضمون فإنه كثير أيضا فتدبّر وأمّا الخبران فليس الاستدلال بهما من جهة ادعاء ظهور المعرفة في المعرفة التفصيلية بنفسها بل إنما هو من جهة دعوى الظهور بملاحظة لفظه بعينه فتدبّر ( قوله ) ويؤيّده إطلاق إلخ ( 3 ) ( أقول ) لا يخفى عليك ما في التأييد بإطلاق الأمثلة لأنك قد عرفت من كلام الأستاذ العلّامة خروج الأمثلة عن محل البحث حتى في المقام الأول اللّهمّ إلا أن يقال إن اعتبار العلم الإجمالي وعدم جواز الرجوع في مورده إلى الأصول لا يفرق فيه بين الأصول الموضوعيّة والحكميّة إلا أن يقال إن عدم منع العلم الإجمالي عن الرجوع إلى الأصول في الأمثلة لا يلزم عدم منعه في المقام لعدم حصول الابتلاء بجميع الأطراف العلم فيها وسيجيء عدم اعتبار العلم الإجمالي إذا كان الأمر كذلك فلا يصير إطلاقها مؤيدا مع ما فيه من التأمّل اللّهم إلّا أن يقال إنها بإطلاقها يشمل صورة الابتلاء أيضا وإن كانت قليلة فتأمّل ( قوله ) بل الغالب ثبوت العلم الإجمالي إلخ ( 4 ) ( أقول ) لا يخفى عليك أن ثبوت العلم الإجمالي غالبا مع كون الشبهة غير محصورة لا ينفع إذا لم تكن جواز ارتكاب جميع الأطراف في الشبهة الغير المحصورة مسلما عند الكل حسبما هو قضيّة التحقيق الذي ستقف عليه إن شاء الله تعالى وإلا فلا نفع فيه أصلا فتدبّر بل أقول إنه لا ينفع على كل تقدير لأن العلم الإجمالي الحاصل على سبيل الغالب جميع أطرافه ليست محلا للابتلاء وهذا النحو من العلم غير مؤثر جزما ( قوله ) لأنها كما تدلّ على حليّته إلخ ( 5 ) ( أقول ) لا يخفى عليك أن المراد إن حرمة ذلك المعلوم إجمالا يكشف عن اختصاصها بغير صورة العلم الإجمالي لأنّ الدلالة على الحرمة لا يجامع الدلالة على الحليّة ضرورة أن التكليف يقتضي الامتثال نعم يمكن فرض دلالتها على حلّيّة كل واحد من المشتبهين مع قطع النظر عن العلم الإجمالي لكنه مجرّد اعتبار لا ينفع أبدا لأن المفروض وجود العلم الإجمالي والغضّ عنه لا يجعله معدوما ( قوله ) وأمّا قوله فهو لك حلال إلخ ( 6 ) ( أقول ) لا يخفى عليك الوجه في الظهور الذي ذكره دام ظلّه العالي حيث إن جعل قوله بعينه تأكيدا للضمير المجرور بعيد في الغاية وركيك إلى غير النهاية فلا بد أن يجعل قيدا للمعرفة وهذا بخلاف الحديث الأوّل فإن ظاهره كونه تأكيدا لا قيدا للمعرفة على عكس الحديث ومنشأ الدعويين ومدركهما ليس إلا الوجدان والرجوع إلى العرف ( قوله ) إلا أن إبقاء الصحيحة إلخ ( 7 ) ( أقول ) عمدة الدليل على عدم إرادة ما هو الظاهر من الخبر والصّارف منه بعد فرض وجود المقتضي وهو شمول الخطاب الواقعي على ما هو المفروض استقلال العقل بقبح تجويز المخالفة من الشارع على ما عرفت تفصيل القول فيه ( لا يقال ) إن الخبر يدلّ على كون