ميرزا محمد حسن الآشتياني

88

بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )

العلم التفصيلي جزء الموضوع الأحكام الصادرة من الشارع فليس هناك حرمة للموضوع الواقعي المجرّد عنه حتى يلزم محذور التناقض ونحوه ( لأنّا نقول ) دلالته على ما ذكر موقوفة على كون المراد من الحلّية المغيّاة بالعلم في هذه الأخبار هي الحلّية الواقعيّة لا الظاهرية ومن المعلوم لكلّ من راجع إليها ظهورها بل صراحتها في ثبوت الحرمة الواقعية للشيء على ما يشهد به قوله منه وغيره هذا مضافا إلى تسليم الخصم عدم كون الحلّية واقعيّة فعدم تقيّد الحرمة واقعا بالعلم اتفاقي فالحكم بالمنافاة عقلي وإن كان ثبوت كل من المقدمتين بغير حكم العقل وهذا الذي ذكرنا هو المراد مما ذكره الأستاذ العلامة من الجواب وأما قوله والنصّ فيحتمل أن يكون المراد به نفس الدليل الواقعي ولكنه بعيد لحكومة تلك الأخبار على فرض الدلالة عليه فتدبّر وجعل المراد غيره أبعد منه [ في أنه لا يمكن الحكم بالإباحة الظاهريّة في أطراف الشبهة المحصورة ] ( قوله ) فإن قلت مخالفة الحكم الظاهري للحكم الواقعي لا يوجب إلخ ( 1 ) ( أقول ) لما جعل الصارف عمّا يظهر منه الإذن في كلا المشتبهين ظاهرا في الجواب عن السؤال الأول نفس ما دل على تحريم العنوانات الواقعيّة من حيث إيجابه لرفع الحكم الواقعي واقعا وفي نفس الأمر فلا محالة توجّه عليه السؤال المذكور فلو جعل الصارف حكم العقل من حيث إيجابه وجوب الإطاعة بعد العلم بتوجّه الخطاب الواقعي إلى المكلّف من جهة العلم بتحقق موضوعه وحكمه بقبح معصيته والإذن فيها ولو في مرحلة الظاهر كما صرّح به في الجواب عن هذا السؤال وجعله مانعا من إذن الشارع لم يتوجه عليه السؤال المذكور أصلا كما لا يخفى ( نعم ) هنا كلام في تصوير عدم منافاة الحكم الظاهري مع الحكم الواقعي على الخلاف ولو مع جهل المكلّف بالمخالفة لا من جهة المنافاة لحكم العقل في باب الإطاعة بل للتضاد والتنافي الذاتي بينهما كالحكمين الواقعيّين تقدّم في أوائل هذا الجزء من التعليقة مع ما يقال عليه ومقتضى ما أفاده في المقام في الجواب عن السؤال المذكور كصريح كلامه في أول هذا الجزء من الكتاب عدم التنافي الذاتي بينهما كما هو ظاهر مقالة الأصحاب أيضا ( قوله ) قدس سره قلت الحكم الظاهري لا يقدح مخالفته إلخ ( 2 ) ( أقول ) لما كان مبنى ما أفاده في الجواب على ما عرفت الإشارة إليه على عدم التنافي بين الحكمين ذاتا وثبوت التنافي للحكم الظاهري على خلاف الواقع مع حكم العقل في باب الإطاعة فينبغي تقييده بعد تخصيص التنافي بصورة العلم بالمخالفة كما في الجواب بما إذا أوجب جعل الحكم في مرحلة الظاهر على خلاف الواقع الإذن في مخالفة الواقع بحسب العمل وأما لا مع ذلك فلا قبح فيه مع العلم بالمخالفة أيضا كما في التخيير الظاهري بين الاحتمالين أو الخبرين أو فتوى المجتهدين فإنه وإن علم بمخالفته للحكم الواقعي المعين عند الله تبارك وتعالى إلا أنه لا يوجب الإذن في مخالفة العمليّة في كل واقعة من دون التزام بما يحتمل مطابقته للواقع وقد أشرنا إلى عدم منافاته لحكم العقل في مطاوي كلماتنا في دوران الأمر بين الوجوب والتحريم من مسائل الشك في التكليف وأما ما أفاده في الجواب من رجوع الحكم الظاهري على خلاف الواقع مع جهل المكلّف إلى مجرد المعذورية كما في موارد البراءة فإنما يستقيم ذلك في البراءة العقليّة أو ما يرجع إليها من الأخبار لا فيما يفيد إعطاء الحلّيّة والإباحة في مرحلة الظاهر كما هو ظاهر وقد تقدم في أول هذا الجزء من التعليقة في وجوه التفصّي للتنافي بين الحكمين أن الظاهر من بعض إرجاع الحكم الظاهري مطلقا إلى مجرّد المعذورية وتقدّم أيضا الكلام في فساده فراجع إليه حتى تقف على حقيقة الأمر كما أنا أشرنا هناك إلى عدم الجدوى فيما أفاده بالنسبة إلى الطرق الظاهرية إلا أن يرجع إلى نوع من التصويب الباطل عندنا ( قوله ) فإن قلت إذن الشارع في فعل الحرام إلخ ( 3 ) ( أقول ) لما كان مبنى ما أفاده في الجواب عن السؤال السابق على كما عرفت الكلام فيه على منافاة تحليل الشارع للمشتبهين في مرحلة الظاهر لحكم العقل بوجوب الإطاعة وقبح الإذن في المعصية إنما هو فيما كان الارتكاب معصية في علم المكلف ولا يتحقق ذلك إذا كان الارتكاب على التدريج كما ذهب إليه غير واحد ممن قال بجواز ارتكاب المشتبهين فلا يكفي الدليل المذكور ردّا عليه وإن كفى في ردّ القول بجواز الارتكاب مطلقا لكنه لا يفيد فإن المقصود الاستدلال للقول بالمنع مطلقا ولا يكفي مجرد العلم بتحقق المخالفة مطلقا ولو بعد الارتكاب لعدم مساعدة العقل عليه مضافا إلى منافاته لما وقع في الشرعيّات كما يظهر من الأمثلة المذكورة في السؤال ( قوله ) قلت إذن الشارع في أحد المشتبهين إلخ ( 4 ) ( أقول ) محصّل ما ذكره دام ظله أنه بعد العلم بتحقّق العنوان المحرّم الواقعي إجمالا يحكم العقل على سبيل الاستقلال بوجوب إطاعته بترك جميع محتملاته ويقبّح تجويز الشارع مخالفته بتركها سواء كان واقعيّا الذي يلزم منه التناقض أو ظاهريّا الذي يرجع إلى رفعه إيجاب الإطاعة للخطاب المعلوم بالإجمال لاستقلال العقل بقبح الثاني كالأوّل لأن طلب الشارع على سبيل الإلزام لا يجامع مع إذنه في المعصية لا يجامع في نظر العقل وهذا أمر ظاهر لا سترة فيه عند ذوي الأفهام المستقيمة [ في أنه لا فرق بين الإذن في الارتكاب الدفعي والتّدريجي ] ( ثمّ ) لا يتفاوت الأمر فيما ذكر بين أن يكون إذنه بارتكاب الجميع دفعة أو تدريجا لاتحاد المناط للمنع ووجوده فيهما على نحو سواء لأن الثاني أيضا إذن في المعصية كالأول هذا كلّه بالنسبة إلى إذنه في المخالفة والارتكاب بقول مطلق أي بالنسبة إلى جميع أطراف الشبهة حسبما هو محل البحث وأما إذنه بالنسبة إلى بعض الأطراف فالذي صرّح به الأستاذ العلّامة في المقام بقوله نعم إلى آخره إنه لا يجوز إلا بعد جعل الاجتناب عن الآخر بدلا عن الاجتناب عن الحرام الواقعي المعلوم بالإجمال لأن رفع اليد عن الواقع ولو على بعض التقادير بعد العلم به من دون جعل البدل قبيح عند العقل فلو ورد ما يدلّ على الإذن في بعض المقامات فلا بدّ أن يجعل كاشفا عن جعل البدل ولكن الذي صرّح به دام ظله في الجزء الأول من الكتاب عند التكلم في دليل الانسداد حسبما يقف عليه من راجع إليه جوازه