ميرزا محمد حسن الآشتياني
70
بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )
جميع الصّور المذكورة مضافا إلى عدم التفصيل في المسألة كما ستقف عليه إلى غير ذلك ممّا ذكر في كلماتهم والعمدة ما ذكرنا [ تنبيهات متعلّقة بأدلّة التسامح ] ( و ) ينبغي التنبيه على أمور ( الأوّل ) أن عنوان المسألة في كلمات الأكثرين يقتضي اختصاص الكلام بالتسامح في أدلّة السّنن بظاهره فلا يتسامح في أدلّة المكروهات وصرّح غير واحد بالتعميم بحيث يظهر منه كونه من المسلّمات عندهم وقد عرفت الإشارة إلى بعض الكلمات المقتضي له سيما ما عرفته عن ذكرى الشهيد قدس سره وصرّح شيخنا قدس سره في الرسالة بأن المشهور إلحاق الكراهة بالاستحباب وقال في الفصول في عنوان المسألة قد تداول بين أصحابنا التسامح في أدلّة السّنن والمكروهات بإثباتها بالرواية الضعيفة الغير المنجبرة وحمل الأخبار المفيدة للوجوب أو التحريم على الاستحباب أو الكراهة عند ضعف السند وعدم الجابر انتهى كلامه رفع مقامه ويستدل للتعميم بعموم الشيء في الأخبار لهما بل الظّاهر ممّا يتراءى منه الاختصاص العموم عند التأمّل فإن المراد من العمل في قوله من بلغه ثواب على عمل هو الأعمّ من الفعل والترك ولذا كان قوله تعالى لا يُضيعُ عَمَلَ عامِل مِنْكُمْ شاملا للأعمال مطلقا من الوجوديّة والعدمية لكن قال شيخنا قدس سره في الرسالة ولا إشكال فيه بناء على الاستناد إلى قاعدة الاحتياط وأمّا بناء على الاستناد إلى الأخبار فلا بدّ من تنقيح المناط بين الاستحباب والكراهة وإلا فموارد الأخبار ظاهر الاختصاص بالفعل المستحبّ ولا يشمل المكروه إلا أن يدّعى عموم لفظ الفضائل في النبوي صلى الله عليه وآله بل عموم لفظ الشيء في غيره للفعل والترك فتأمل مضافا إلى ظاهر إجماع ذكرى انتهى كلامه رفع مقامه ( الثّاني ) أنك قد عرفت أنّ محلّ الكلام هو الخبر الغير الجامع لشرائط الحجيّة من غير فرق بين أن يكون مضمونه الثواب أو الطلب الغير الإلزامي المتعلّق بالفعل أو الترك أو الإلزامي المتعلّق بأحدهما فلو دلّ علي الوجوب أو الحرمة يحكم بالاستحباب والكراهة في مورده نظرا إلى الأخبار المذكورة لا للتصرّف في الخبر بحمله على إرادة الاستحباب أو الكراهة منه فإن ذلك غير معقول وإن أوهمه بعض العبائر حيث إنهم يذكرون كثيرا ما إن الخبر ضعيف فيحمل على الاستحباب فما أفاده الشيخ المتقدّم في الفصول في عنوان المسألة لا يخلو عن نظر فلا بدّ من حمله على ما ذكرنا نعم على ما ذكره وذكره شيخنا قدس سره في الرسالة من رجوع الكلام في المسألة إلى حجيّة الخبر الغير الجامع لشرائط الحجيّة في إثبات الاستحباب والكراهة بأخبار الباب لا بدّ من التصرّف في أدلّة التصديق والتبعيض من حيث الأخذ والطرح كما صنعه في الرسالة وليس هذا أيضا كما ترى تصرّفا في دلالة الخبر ( الثالث ) أنا قد أشرنا سابقا إلى أنه سرى بعض الأصحاب أمر التسامح إلى الاكتفاء بفتوى الفقيه من أصحابنا به أو مطلقا على احتمال ضعيف قال في محكيّ المعتبر بعد أن حكى عن أبي الصّلاح كراهة الصلاة إلى إنسان مواجه أو باب مفتوح ما هذا لفظه هو أحد الأعيان فلا بأس باتّباع فتواه انتهى كلامه رفع مقامه وكلام الأكثرين خال عن السراية والتعميم والإنصاف أن التعميم لا يخلو عن إشكال لأنّ الظاهر من البلوغ هو البلوغ بطريق الحسّ لا الحدس والاجتهاد بل قد يقال إنه ليس إخبارا عن الواقع أصلا فإن مرجع إخبار الفقيه حقيقة عن الواقع إلى الإخبار عن الرأي والترجيح النفساني وأين هذا من الإخبار عن النبيّ صلى اللَّه عليه وآله وخلفائه نعم لو استند في التسامح إلى حسن الاحتياط ورجحانه العقلي تعين التعميم لكنه لا يختصّ بما كان مستند احتمال الواقع فتوى الفقيه بل يشمل احتمال الواقع مطلقا على ما عرفت الإشارة إليه نعم يلحق بالرواية فتوى من نزّلوا فتاويه منزلة رواياته من حيث كونها روايات منقولة بالمعنى حقيقة قال شيخنا قدس سره في الرسالة لا إشكال في الإلحاق بناء على الاستناد إلى قاعدة الاحتياط وأما بناء على الاستناد إلى الأخبار فالتحقيق أن يقال إن كان يحتمل ذلك استناده في ذلك إلى الشارع أخذ به لصدق البلوغ بإخباره وأما إن علم خطأ في المستند بأن اطّلعنا أنّه استند في ذلك إلى رواية لا دلالة فيها فلا يؤخذ به وإن احتمل مطابقته للواقع لأن مجرّد احتمال الثواب غير كاف بمقتضى الأخبار بل لا بدّ من صدق البلوغ من اللّه تعالى أو النبي صلى اللَّه عليه وآله وأقل ذلك احتمال صدقه في حكايته والمفروض أنا نعلم أنّ هذا الرجل مخطئ في حكايته فهو نظير ما إذا قال الرّجل سمعت عن النبيّ صلى اللَّه عليه وآله أن في كذا ثواب كذا مع أنا لم نشكّ في أنه سمع رجلا اشتبه برسول اللّه صلى اللَّه عليه وآله وأما الاكتفاء بمجرّد احتمال أن يكون رسول اللّه صلى اللَّه عليه وآله قال كذا فهو اكتفاء بمجرّد الاحتمال ولا يحتاج إلى قيد البلوغ وكذا لو علمنا أنه استند في ذلك إلى قاعدة عقليّة فإن البلوغ منصرف إلى غير ذلك ومن ذلك يظهر أن ما حكي من الغزالي من الحكم باستحقاق الثواب على فعل مقدّمة الواجب لا يصير منشأ للتسامح لأن الظاهر استناده في ذلك إلى قاعدة عقليّة مثل تحسين العقل للإقدام على تهيؤ مقدّمات الواجب ونحو ذلك ومنه يظهر النظر فيما ذكره المحقق القميّ قدس سره في القوانين من إمكان كون ذلك منشأ للتسامح وأضعف من ذلك ما ذكره في حاشية منه على ذلك الكلام من أن القول بالتسامح في مثل المقام يستلزم تسديس الأحكام انتهى كلام شيخنا قدس سره وأنت بعد الإحاطة بما ذكرنا تعلم أن مجرّد احتمال استناد الفقيه في فتواه إلى الرواية لا يوجب العلم بصدق البلوغ وإنما يوجب احتماله على احتمال وهو غير كاف للشكّ في صدق الموضوع ( الرابع ) أنه لا إشكال في اختصاص مورد المسألة فتوى ونصّا بما إذا لم يكن هناك خبر ضعيف يدلّ على تحريم الفعل أو كراهته فيما ورد الخبر الغير الجامع لشرائط الحجيّة على وجوبه واستحبابه من غير فرق بين الاستناد في المسألة إلى قاعدة الاحتياط فيما إذا كان مفادهما الحكم الإلزامي أو إلى الأخبار مطلقا لأن الحكم بطلب كل من الفعل والترك بعد تعميم المسألة بالنسبة إلى التسامح في الكراهة ممّا لا معنى له لعدم القدرة على امتثال الطلبين وإن قلنا بجواز اجتماع الأمر والنهي ضرورة خروج الفرض عن موضوع تلك المسألة لعدم المندوحة