ميرزا محمد حسن الآشتياني
71
بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )
بالفرض وصرف الأخبار إلى استحباب أحدهما تخييرا موجب لاستعمالها في معنيين مع أن التخيير بين الفعل والترك في الاستحباب لا محصّل له فتعيّن الحكم بخروج الفرض عن مورد الأخبار مضافا إلى انصرافها إلى غيره جزما وأما لو كان في المسألة التي ورد الخبر فيها بالاستحباب أو الوجوب مجرّد احتمال التحريم أو العكس بأن كان هناك مجرد احتمال الوجوب فيما كان هناك خبر على التحريم أو الكراهة فالحكم من حيث جريان القاعدة ما عرفت وأمّا من حيث شمول الأخبار فقد يستشكل فيه من حيث انصرافها إلى غير الفرض سيّما بملاحظة التعليل المذكور في بعضها برجاء الثواب واستظهر شيخنا قدس سره في الرسالة الشمول نظرا إلى إطلاق أكثرها وعدم صلاحية المقيّد للتقييد في المقام على ما عرفت الإشارة إليه مرارا لكنه لا يخلو عن إشكال ثم قال قدس سره في الرّسالة وعلى الإطلاق ففي صورة احتمال الحرمة فيما وردت الرواية الضعيفة باستحبابه يتعارض استحباب الفعل لأجل الأخبار واستحباب الترك لأجل قاعدة الاحتياط والظاهر عدم التعارض بل يحكم بكون كل من الفعل والترك مستحبّا ولا ضير في ذلك كما إذا دلّ على الاستحباب شيء دليل معتبر ودلّ على تحريمه أمارة غير معتبرة كالشهرة مثلا فإن فعله من حيث هو مستحبّ وتركه لداعي احتمال مبغوضيّة المولى أيضا محبوب فلم يتوجّه الاستحبابان إلى الفعل المطلق والترك المطلق ثم لو فرض حكم العقل بأن دفع مضرّة التحريم المحتملة أولى من جلب منفعة الاستحباب المقطوع به حكم الشارع بطلب محتمل التحريم واستحباب تركه فلا بدّ من تقييد الأخبار بما عدا صورة احتمال التحريم انتهى كلامه رفع مقامه وهو كما ترى لا يخلو عن إجمال بل مناقشة من حيث إن الحيثيّة التقييدية على تقدير تعلّق الأمر بكل من الفعل والترك لا يجدي شيئا فلا بد إما من الالتزام بعدم تعلق الأمر بعنوان الاحتياط في الفرض أو الالتزام بعدم تعلّق الطلب بالفعل من جهة الأخبار وهذا معنى تقييدها حقيقة ثم إنه يعلم ممّا ذكرنا كلّه حكم ما لو احتمل الكراهة فيما ورد الخبر الضعيف على وجوبه أو استحبابه من حيث حكم العقل والأخبار فلا حاجة إلى التكلم فيه ( السّادس ) أنه لا فرق ظاهرا عندهم على ما صرّح به غير واحد منهم بين وجود الخبر في كتب الخاصة ومرويّا من طرقهم أو في كتب العامة ومرويّا من طرقهم لإطلاق الأخبار المتقدّمة وعن بعض من أنكر التسامح أنه يلزم القائلين به العمل بما رواه المخالفون مع ورود المنع من الرجوع إليهم بل تشديد الإنكار في ذلك وهذا كما ترى مبنيّ على ما استظهره غير واحد منهم شيخنا قدس سره من أن مرجع التسامح إلى حجيّة خبر الضعيف في باب السنن والكراهة وإلا فالحكم بالاستحباب والكراهة على ما عرفت منا مستندا إلى الأخبار المذكورة ليس من الرجوع إليهم أصلا وهذا ما ذكروه من التعارض بين الأخبار المذكورة وآية النبأ وأجاب عنه شيخنا قدس سره في الرسالة بأن الممنوع الرجوع إليهم في أخذ الفتوى وأمّا مجرّد الرجوع إلى كتبهم لأخذ الروايات والآداب في الأخلاق والسنن فنمنع قيام الدليل إلى منعه وتحريمه وهو كما ترى فإنه لا يساعده جميع ما دل على المنع من الرجوع إليهم كما لا يخفى لمن راجع إليها [ في جريان التسامح على القول به في الأحكام الشرعيّة ] ( السّابع ) أنه لا إشكال في جريان التسامح على القول به في الأحكام الشرعيّة لأنه المتيقّن ممّا دلّ عليه وأما لورود خبر ضعيف في تشخيص الموضوع والمصداق أو أخبر عدل واحد عن موضوع المستحبّ وتشخيص مصداقه على القول بعدم حجيّة خبره في الموضوعات كالوارد في رأس سيّدنا ومولانا أبي عبد الله الحسين عند أمير المؤمنين عليهما السّلام ومثله الأخبار الواردة من الطرق الضعيفة في تشخيص مدفن الأنبياء والأولياء وأولادهم ومثل الواردة في تشخيص المقامات في مسجد الكوفة وغيره من المساجد الإلهيّة وهكذا فهل يلحق بالخبر الوارد في الأحكام أم لا وجهان من اختصاص الأخبار والفتاوي بظواهرها بما ورد في الأحكام ومن اقتصار تمسّكهم بقاعدة الاحتياط للإلحاق في العموم مضافا إلى تنقيح مناط الأخبار بل قد يدّعى برجوع الخبر عن الموضوع بالخبر عن الحكم حقيقة قال شيخنا في الرسالة بعد نفي الإشكال في الإلحاق من حيث الاستحباب العقلي من باب الاحتياط إن الأخبار وإن كانت ظاهرة في الشبهة الحكميّة أعني ما إذا كانت الرواية مثبتة لنفس الاستحباب لا لموضوعه إلا أن الظاهر جريان الحكم في محلّ الكلام بتنقيح المناط إذ من المعلوم عدم الفرق بين أن يعتمد على خبر الشخص في استحباب العمل الفلاني في هذا المكان كبعض أماكن مسجد الكوفة وبين أن يعتمد عليه في أن هذا المكان هو المكان الفلاني الذي علم أنه يستحبّ فيه العمل الفلاني مضافا إلى إمكان أن يقال إن الإخبار بالموضوع مستلزم للإخبار بالحكم بل قد يكون الغرض منه هو الإخبار بثبوت الحكم في هذا الموضوع الخاص والحاصل أن التسامح أقوى نعم لو ترتب على الخبر المذكور حكم آخر غير الاستحباب فلا يترتب عليه لما عرفت فلو ثبت كيفيّة خاصّة للزيارة من القرب بحيث لا يجوز من البعد فلا يجوز لأن الثابت من الرواية استحباب حضور هذا المكان لا كون الشخص مدفونا فيه وكذا يستحبّ الصّلاة في المكان الذي يقال له المسجد ولا يجب إزالة النجاسة عنه ولا يجوز الاعتكاف فيه إلى غير ذلك ممّا هو واضح انتهى كلامه رفع مقامه ( الثامن ) لا إشكال في اختصاص الأخبار وكلمات المشهور بالتسامح من حيث سند الأخبار وأما التسامح من حيث الدلالة بأن يكون هناك خبر صحيح السند مجمل يحتمل إرادة الاستحباب منه فلا يستفاد منها قطعا وإن حكي عن بعض المتأخرين القول به فلعلّه تخيّل كون المستند في التسامح قاعدة الاحتياط على ما يستفاد من كلام غير واحد حسبما عرفت وعليه وإن لم يكن إشكال في جريان التسامح بحسب الدلالة الضعيفة أيضا إلا أنّك قد أسمعناك فيما تقدم أن الدائرة على تقدير الاستناد فيها إلى القاعدة أوسع مما ذكره بمراتب ( التاسع ) ذكر غير واحد أنه كما يتسامح في السنن يتسامح في القصص والمواعظ والفضائل بل استظهر ممّا