ميرزا محمد حسن الآشتياني

224

بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )

لما يأتي الإشارة إليه وأمّا بعض المناقشات الراجعة إلى منع دلالتها ولو من جهة دعوى إجمالها فإنما حدث عن بعض متأخري المتأخّرين وإلّا فبناء الفقهاء رضوان اللّه عليهم على التمسّك بها في الفروع الفقهية والتسالم والمفروغيّة عن ظهورها فيها ممّا يعلم بأدنى تتبع في كلماتهم في أبواب الفقه من العبادات والمعاملات [ في التّعرض للأخبار الواردة في الباب ] ومع ذلك ينبغي التّعرض لذكر الأخبار الواردة في الباب أوّلا ثم التعرّض لبيان معنى الضرر في اللّغة والعرف العام وما هو الظاهر من أخبار الباب في المقام والإشارة إلى جملة من الإشكالات والشبهات الحادثة ودفعها بما يقتضيه الوسع والذهن القاصر ( فنقول ) قد عرفت أن الأخبار الواردة في هذا الباب كثيرة منها جملة من الأخبار الواردة في قضيّة سمرة بن جندب مع الأنصاري بألفاظ مختلفة في الجملة وقد اشتهر عنه صلى اللَّه عليه وآله ( أحدها ) ما رواه قدس سره في الكتاب ( ثانيها ) ما روى ذيله في الكتاب وهو ما روى زرارة عن أبي جعفر عليه السلام أن سمرة بن جندب كان له عذق في حائط لرجل من الأنصار وكان منزل الأنصاري بباب البستان وكان يمرّ إلى نخلته ولا يستأذن فكلّمه الأنصاري أن يستأذن إذا جاء فأبى سمرة فجاء الأنصاري إلى رسول اللّه فشكا إليه فأخبره الخبر فأرسل إليه رسول الله وخبره بقول الأنصاري وما شكاه وقال عليه السلام إذا أردت الدخول فاستأذن فأبى فلمّا أبى ساومه حتى بلغ به من الثمن ما شاء اللّه فأبى أن يبيعه فقال لك بها عذق في الجنّة فأبى أن يقبل فقال رسول الله للأنصاري اذهب فاقلعها وارم بها إليه فإنه لا ضرر ولا ضرار الحديث ( ثالثها ) ما في رواية الحذاء عن أبي جعفر عليه السلام نحو ذلك إلا أنه قال في ذيله لسمرة بن جندب بعد الامتناع ما أراك يا سمرة إلّا مضارّا اذهب يا فلان فاقلعها وارم بها وجهه وفي القضيّة وإن كان إشكال من حيث حكم النبي صلى اللَّه عليه وآله بقلع العذق مع أن القواعد ربما لا يقتضيه ونفي الضرر لا يوجبه أيضا إلا أنه لما كان من فعله عليه السلام فعلم أنه بعد الامتناع عن المساومة كان له جهة مجوّزة له ولو بحسب الولاية المطلقة التي كانت له على الآفاق والأنفس كما قال الله تعالى النبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم الآية وكيف كان فعدم إدراكنا لجهة فعله صلى اللَّه عليه وآله لا يخلّ بالاستدلال قطعا ( رابعها ) ما رواه عقبة بن خالد عن الصادق عليه السلام قال قضى رسول اللّه بالشفعة بين الشركاء في الأرضين والمساكن قال ولا ضرر ولا ضرار ( خامسها ) ما عن التذكرة ونهاية ابن الأثير مرسلا عن النبيّ صلى اللَّه عليه وآله لا ضرر ولا ضرار في الإسلام ( سادسها ) ما رواه عقبة بن خالد أيضا عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال قضى رسول اللّه صلى اللَّه عليه وآله بين أهل المدينة في شارب النخل أنه لا يمنع نقع البئر وقضى بين أهل البادية أنه لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل كلإ فقال لا ضرر ولا ضرار ( سابعها ) ما رواه هارون حمزة الغنوي عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل شهد بعيرا مريضا يباع فاشتراه رجل بعشرة دراهم فجاء واشترك فيه رجلا بدرهمين بالرأس والجلد فقضي أنّ البعير برأ فبلغ ثمنه دنانير قال فقال لصاحب الدرهمين خمس ما بلغ فإن قال أريد الرأس والجلد فليس له ذلك هذا الضرار قد أعطي حقّه إذا أعطي الخمس هذه ما وقفنا عليه من الأخبار العامة وأمّا الأخبار الخاصّة فجملة من الأخبار ( منها ) ما رواه البزنطي في الصحيح عن حمّاد عن المعلّى بن خنيس عنه عليه السلام قال من أضرّ بطريق المسلمين شيئا فهو ضامن ( ومنها ) ما رواه الكناني في الصحيح ويقرب من رواية البزنطي ( ومنها ) ما رواه طلحة بن زيد عن الصّادق عليه السلام قال إن الجار كالنفس غير مضار ولا إثم إلى غير ذلك مما ورد في الموارد الخاصة [ في بيان معنى الضّرر والضّرار ] وإذ قد عرفت ذلك فلا بدّ أوّلا من التكلم في معنى اللفظين الواقعين في أخبار الباب موضوعا للحكم أي الضرر والضرار وإطلاقاتهما في اللغة والعرف والمراد منهما في الأخبار ثم تعقيبه ببيان الحكم المتعلّق بهما وبيان مراد الشارع من هذه القضيّة ( فنقول ) الضرر في العرف العام كما يساعد عليه موارد الاستعمال ويقتضيه التبادر عند الإطلاق ضد النفع ويوافقه اللغة كما يقتضيه ما حكاه شيخنا قدس سره في الكتاب عن الصحاح والنهاية والقاموس وإليه يرجع ما عن المصباح وجعل الكراهة أعمّ من المعنى المذكور وإن كان ممكنا إلا أنه خلاف ظاهر كلامه كما أنه يحتمل إرجاع ما في القاموس من إطلاقه على سوء الحال إليه أيضا وإن أمكن جعله إطلاقا آخر مجازا من جهة العلاقة فإنّ قوله في مقام بيان معنى الضرر ضدّ النفع وضارّه يضارّه ضرارا مع قوله بعد ذلك الضرر سوء الحال وإن كان ظاهرا في المغايرة إلا أن إرادة كونه حقيقة فيهما بعيد وأمّا إطلاقه على النقص في الأعيان كما عن المصباح فهو على خلاف وضعه قطعا ومن هنا قال وقد يطلق على النقص في الأعيان وقيل الضرر بالفتح ضدّ النفع وبالضم بمعنى الشدّة والكراهة وسوء الحال مستشهدا بالآية الشريفة رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ وفيه ما لا يخفى وكيف ما كان لا إشكال في ظهور لفظ الضرر عند الإطلاق بلا قرينة فيما ذكرنا مع أن كونه بالمعنى الأعمّ أي الكراهة وسوء الحال لا يضرّنا يقينا في المقام كما هو ظاهر وأمّا الضرار فصريح جمع من اللغويّين كونه بمعنى الضرر فالتكرار في الحديث للتأكيد كما صرّح به في المصباح والقاموس وأطلقه على الضيق بعد إطلاق الضرر على سوء الحال في الصّحاح وإن ذكر أخيرا إطلاق الضرار على المضارة وظاهر النهاية كونه بمعنى المجازات على الضرر بإدخال الضرر على من أضرّ به وأطلقه على فعل الاثنين أيضا كما يقتضيه وضع المفاعلة واحتمل شيخنا قدس سره رجوع المعنى الأوّل الذي ذكر في النهاية إلى الثاني المذكور فيها وكيف ما كان ظاهرها مغايرة اللفظين بحسب المعنى وقيل إن الضرر والضرار من قبيل المسكين والفقير إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا ولم يثبت ذلك من العرف واللغة بل ظاهرهم خلافه ولما لم يثبت كون الضرار مغايرا للضرر بل ظاهر أكثرهم كما عرفت اتحاده معنى مع الضرر وليس هذا من قبيل الإثبات والنفي حتى يقال إن المثبت مقدّم على النافي كما هو ظاهر فلا يدلّ الأخبار على نفي الغرامة والضمان والتدارك على المتلف بدعوى كون أخذ الغرامة مجازاة كما يستفاد من كلام شيخنا في الكتاب مع أنه على تقدير تسليم ظهوره في نفي