ميرزا محمد حسن الآشتياني
138
بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )
قيام الدليل عليه محال وبالجملة ما أفاده في الاستدراك المذكور يلازم حسن توجيه التكليف بالواقع على وجه الإطلاق من دون اشتراط بالعلم وهو يناقض تصريحه قبله بقبحه فلا يمكن التوفيق بينهما ( الخامس ) أن الدليل على التكليف بالواقع المعين عند اللّه موجود في جميع موارد وجود الدليل على التكليف بالواقع وإن كان مجملا نظرا إلى ما تقرّر في محلّه واعترف به المحقق المذكور من وضع الألفاظ للمعاني النفس الأمريّة والأمور الواقعيّة من غير مدخل للعلم في وضعها لها فإذا فرض قيام الدليل عليه ممكنا كان موجودا في جميع الموارد فيلزمه القول بالاحتياط فيها نظرا إلى ما اعترف به فيكون مقتضى الأصل في موارد العلم الإجمالي وجوب الاحتياط وهو المقصود هذا كله مضافا إلى ما ستقف عليه من عدم إمكان اشتراط التكليف بالعلم في الشبهة الحكميّة ( السّادس ) أنه لا محصّل لما أفاده بقوله المستلزم ذلك الفرض لإسقاط قصد التعيين في الطاعة إلى آخره لأنه إن أريد أن به قصد التعيين من شروط صحة المأمور به مطلقا حتّى في صورة الجهل فيحكم لأجله بعدم التكليف بالواقع المجهول نظرا إلى العجز عن تحصيل شرط وجوده فلا يكون مقدورا للمكلّف بعد البناء على الشرطيّة المطلقة وأما إذا قام الدليل على التكليف بالواقع المجهول في مورد فيكشف عن سقوط اعتبار قصد التعيين بالنسبة إلى ذلك المورد الخاصّ لا محالة فيجب الاحتياط لعدم المانع منه حينئذ ففيه أوّلا أن الكلام ليس مختصّا بالتعبديّات بل يعمّها والتوصّليّات كما هو ظاهر وقصد التعيين غير معتبر فيها إجماعا وثانيا أنه لا دليل على اعتبار قصد التعيين في الطاعة على وجه الإطلاق حتى في صورة إمكانه وثالثا أنّه لو قيل باعتبار قصد التعيين فإنما هو فيما إذا تمكّن المكلّف من التعيين لا مطلقا لعدم مساعدة دليل عليه كذلك ولم يقل أحد باعتباره كذلك إلّا نادرا في ظاهر كلامه لا يعبأ بخلافه وإن أريد به أن نفس قيام الدليل على التكليف بالواقع المجهول مقتض لسقوطه وسبب له بحيث يكون سقوطه مستندا إليه من غير كشفه عمّا ذكرناه في الشق الأوّل ففيه أن عدم التمكّن من قصد التعيين مستند إلى نفس تردّد المكلّف به بين أمرين وعدم العلم به تفصيلا سواء قام الدليل على التكليف بالواقع المجهول أو لم يقم وسواء قلنا في المسألة بالبراءة أو الاحتياط فلا يكون لقيام الدليل فيه مدخل أصلا بل هو مستند إلى العجز وعدم القدرة عليه لكن الظاهر أن مراده قدس سره هو الشقّ الأوّل لعدم محصّل للثاني مضافا إلى ظهور كلامه فيه عند التأمل فما أورده عليه شيخنا دام ظله في الكتاب مما لا يتوجّه عليه ظاهرا فالتحقيق أن يناقش فيما أفاده بما عرفته منّا بعد حمل كلامه على الشق الأوّل [ في أنه لا يعقل اشتراط التكليف بالعلم سواء كان من الشرع أو العقل ] ( قوله ) وأما اشتراط التكليف به شرعا فهو غير معقول إلى آخره ( 1 ) ( أقول ) قد عرفت غير مرّة في مطاوي كلماتنا استحالة اشتراط تعلّق التكليف واقعا بالعلم التفصيلي من حيث استلزامه الدور الظاهر فلا يصحّ قيام الدليل عليه من جانب الشارع من غير فرق بين الأدلة المثبتة للتكاليف الواقعيّة وغيرها من الأدلّة الخارجيّة الكاشفة عن هذا الأمر الغير المعقول بل قد عرفت فيما تقدّم أن اشتراط تعلّقه بالعلم الإجمالي بل الظنّ بل وبالوهم أيضا كذلك ضرورة تأخر هذه الأمور عما تعلّقت به فكيف يمكن توقفه عليها نعم توقّف فعليّة التكليف الواقعي وتنجّزه على المكلّف بتعلّق العلم التفصيلي به أو غيره من الأمور المذكورة ممّا لا يلزم عليه الدور فلا يكون محالا ذاتيّا فلا يكون قيام الدليل عليه من قيامه على وقوع المحال الذاتي لكنّه لا يمكن أن يراد من نفس الخطابات الواقعيّة ويعتبر فيها ضرورة عدم كون فعليّة التكليف من مداليلها ومفادها بل لا بدّ أن يقوم عليه دليل من الخارج إلا أنا أسمعناك مرارا أيضا كون العلم الإجمالي بالتكليف علّة تامّة لفعليّته وتنجّزه على المكلّف في حكم العقل ويقبح من الشارع الإذن في مخالفة القطعيّة ومن المكلّف الإقدام عليها فيكون قيام الدليل عليه من الشارع بعد قبحه عليه محالا أيضا بالملاحظة المذكورة وإن كان بالعرض لأن تجويز القبيح محال على الحكيم تعالى نعم لا استحالة في توقّف تعلق التكليف واقعا بالعلم بموضوعه ومتعلّقه في الموضوعات الخارجيّة كتوقّف حرمة الخمر واقعا على العلم بالخمريّة كما نبّهنا عليه في مطاوي كلماتنا لكنه لا تعلّق له بالمقام لأن كلامنا في الشبهة الحكميّة وفي إمكان توقف التكليف على العلم به وكونه شرطا فيه هذا كله مضافا إلى اقتضاء نفس ما يتوهّم منه الدلالة على الترخيص ورفع التكليف الفعلي في صورة العلم الإجمالي من أخبار البراءة لاعتبار العلم الإجمالي وكفايته في رفع البراءة وعدم المعذوريّة منطوقا ومفهوما على ما عرفت الإشارة إليه من أن الحكم الثابت فيها لموضوع الجهل وعدم العلم رأسا فتدبّر نعم قد عرفت سابقا إمكان إذن الشارع في ترك بعض المشتبهين الراجع إلى الإذن في ترك الاحتياط الكلّي لكن لا يكفي مجرّد احتماله بل يعتبر في رفع موضوع حكم العقل بلزوم الاحتياط القطع بإذن الشارع وليس في المقام مما يصلح للدلالة على الإذن باعتراف الخصم إلّا أخبار البراءة وقد عرفت حالها بما لا مزيد عليه مع أن إجمالها من جهة ما ذكرنا يمنع عن الاستدلال بها في المقام فلا حاجة إلى إثبات ظهورها في الدلالة على المرام كما لا يخفى فقد تبين ممّا ذكرنا كلّه أن ما يصحّ أن يرد من الشارع بعد إخفاء الحكم الشرعي والخطاب الصادر منه في المقام أمران لا ثالث لهما أحدهما ما يدلّ على وجوب الاحتياط الكلّي في إحراز الواقع المجهول وامتثاله مؤكّدا لحكم العقل به ثانيهما ما يدل على جواز الاكتفاء في امتثال الواقع بالموافقة الاحتماليّة وفعل بعض المشتبهين لكن أدلّة البراءة لا يصلح لذلك فتعين المصير إلى الأوّل وبمثل ما ذكرنا ينبغي تحرير المقام لا بمثل ما حرّره شيخنا دام ظله في الكتاب فإنه لا يخلو عن بعض المناقشات الظاهرة وممّا ذكرنا كلّه يظهر ما يتوجّه على ما أفاده المحقق الخوانساري قدس سره من المناقشات فلا حاجة إلى إطالة البحث والكلام ولعلّه لذلك ترك التعرض له في الكتاب لأن ما يتوجّه عليه المناقشة من كلامه متحد مع ما أفاده المحقق القمي كما هو ظاهر ( قوله ) وهذا الوجه هو الذي ينبغي أن يقصد إلى آخره ( 2 ) ( أقول ) الوجه فيما أفاده من تعيّن الوجه الثاني في المقام وإن كان ربما يتوهّم من هذا التعبير جواز إرادة الوجه الأوّل ظاهر ضرورة أن نيّة الفعل لا يمكن أن تكون على غير الصّفة التي