ميرزا محمد حسن الآشتياني

132

بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )

لم يكن بين يدي الخطيب [ في بيان محتملات الحديث المعروف وهو قوله عليه السّلام من جدّد قبر إلى آخره ] وأمّا ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام من جدد قبرا أو مثّل مثالا فقد خرج عن الإسلام ففيه وجوه بل أقوال أشار إليها في الكتاب قال الشيخ الصدوق في محكي الفقيه قدّس الله نفسه الزكيّة قال أمير المؤمنين من جدّد قبرا أو مثّل مثالا فقد خرج عن الإسلام واختلف مشايخنا في معنى هذا الخبر فقال محمد بن الحسن الصفار رحمه الله هو جدد بالجيم لا غيره وكان شيخنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه يحكى عنه أنه قال لا يجوز تجديد القبر وتطيين جميعه بعد مرور الأيام عليه وبعد ما طيّن في الأول ولكن إذا مات ميّت وطيّن قبره فجائز أن ترمّ سائر القبور من غير أن تجدد وذكر عن سعد بن عبد الله أنه كان يقول إنما هو من حدّد بالحاء الغير المعجمة يعني من سنم قبرا وعن أحمد بن عبد الله البرقي أنه قال إنما هو جدث ونفس الجدث القير فلا ندري ما عنى به والذي أذهب إليه أنه جدّد بالجيم ومعناه نبش قبرا وجدّده وأحوج إلى تجديده وقد جعله حدثا محفورا وأقول إن التجديد على المعنى الذي ذهب إليه محمّد بن الحسن الصفّار والتحديد بالحاء الغير المعجمة الذي ذهب إليه سعد بن عبد الله والذي قال البرقي إنّه حدث كله داخل في معنى الحديث وإن من خالف الإمام في التحديد والتسنيم والسعي أو استحلّ شيئا من ذلك فقد خرج من الإسلام انتهى كلامه رفع مقامه والاحتمال الثاني في كلامه رضوان اللّه عليه من جهة ظهور الرواية في ابتداء النظر في كفر الفاعل وخروجه عن الإسلام كما حمل غيرها مما ظاهره كفر العاصي بفعل جملة من المحرّمات وترك جملة من الواجبات على هذا المعنى وإن كان خلاف الظاهر من جهة وعلى المعنى الأوّل وفي كلامه لا بد من أن يحمل الرواية على المبالغة في العصيان وتأكّده ( ثمّ ) إن ما أفاده قدس سره من دخول المعاني الثلاثة في مفهوم الحديث لعلّ مراده منه ثبوت الحكم المستفاد من الحديث لها من باب الاحتياط من جهة العلم الإجمالي بحرمة بعضها المستفادة من الحديث وإلا فكيف يمكن إرادة الجميع مع اختلافها وعدم الجامع لها وليس هذا من باب استعمال اللفظ في أكثر من معنى حتى يتوهّم جوازه على القول به ضرورة وجود التردّد والاختلاف في الحديث بالنسبة إلى اللفظ لا المعنى وإنما اشتبه المعنى من جهة تردّد اللفظ فلا تعلّق له بمسألة جواز الاستعمال في أكثر من معنى فلا معنى لما أفاده إلّا ما ذكرنا وإن كان خلاف ظاهره جدّا اللّهمّ إلا أن ينزّل اختلاف المشايخ في لفظ الحديث منزلة الروايات المتعدّدة فيعمل بجميعها لعدم التعارض والإجمال فيخرج عن محلّ البحث فتدبّر ( ثمّ ) إن قراءة خدد بالخاء المعجمة محكيّة عن المفيد رضوان اللّه عليه قال العلّامة طيّب الله رمسه الشريف في التذكرة تكره تحديد القبور لقول عليّ عليه السّلام من جدّد قبرا أو مثل مثالا فقد خرج عن الإسلام واختلف علماؤنا فقال محمّد بن الحسن الصفّار بالجيم أي يجدّد بناءها أو يطيّنها وحكي أنه لم تكره ريّها وقال البرقي من جدث بالجيم والثاء أي يجعل القبر جدثا دفعة أخرى وقال سعد بن عبد الله إنها بالحاء وعنى به التسنيم وقال المفيد إنها بالخاء المعجمة وعنى شقها من خددت الأرض أي شققتها انتهى كلامه رفع مقامه والمستفاد منه حمل الرواية على الكراهة بناء على ما اختاره من كون لفظها جدّد بالجيم والدال المهملة المشدّدة وعن كشف اللثام احتمال كون تجديد القبور في الرواية كناية عن النبش حكما فإنه سبب لتجديد القبور فلعلّ ضعف الرواية كما في محكي كشف اللثام عن بعض الأصحاب من جهة وجود ابن سنان في سنده دعي حملها على الكراهة بناء على التسامح في دليل الكراهة فتأمل [ في اشتباه الواجب بغير الحرام وأقسامه ] ( قوله ) المطلب الثاني في اشتباه الواجب بغير الحرام وهو على قسمين إلى آخره ( 1 ) ( أقول ) حاصل أقسام هذا القسم هو أن الدوران لا يخلو إما أن يكون بين متباينين أو الأقلّ والأكثر الارتباطيين وعلى كل تقدير إما أن يكون الاشتباه والتردّد من جهة عدم الدليل على التعيين أو إجمال ما دلّ عليه أو تعارض الدليلين فيه أو من جهة اشتباه الأمور الخارجية والثلاثة الأول تسمّى بالشبهة الحكميّة من حيث عدم تبيّن أصل الموضوع للحكم الشرعي وباشتباهه يشتبه الحكم الشرعي لا محالة والأخيرة تسمّى بالشبهة الموضوعيّة وفي لسان بعض بالشبهة المصداقيّة فالكلام في كل من القسمين يقع في أربع مسائل ولمّا لم يفرق الحكم من حيث البراءة والاحتياط بين كون الدوران ثنائيّا أو ثلاثيّا أو رباعيّا وكذا بين الواجب والمستحبّ أو الواجب والمباح أو الواجب والمكروه لم يذكر لكلّ عنوانا مستقلّا كما أنه لم يتعرّض لكون الشبهة بين القليل في القليل أو الكثير في الكثير إلّا بتقريب بيان الفرق حكما بين الشبهة الغير المحصورة في دوران الأمر بين الحرام وغير الواجب والمقام بما ستقف عليه في الشبهة الموضوعيّة وإلّا فأصل التقسيم جار في المقام غاية ما هناك ظهور عنوانهم في القسم الأوّل وإلا فالمناط موجود في المقامين كما لا يخفى ( ثمّ ) إن المقصود من الحرام في المقام كالحرمة في مسائل الشكّ في التكليف على ما عرفت الإشارة إليه ثمّة هو الحرام الذاتي لا التشريعي وإلّا فيدخل في دوران الأمر بين الواجب وغير الحرام كما هو واضح ( ثمّ ) إن ما أفاده من نفي كون المثالين الأولين من الأقلّ والأكثر بقوله وليس المثالان الأوّلان إلى آخره على القول بجزئيّة التّسليم وعدم جواز العدول ظاهر لا شبهة فيه أصلا وإن توهم الإشكال في القصر والتمام من حيث كون التمام مشتملا على القصر غاية الأمر اختلاف محلّ التسليم فيهما لكنه كما ترى وأمّا على القول بعدم جزئيّته وجواز العدول فقد يتأمّل فيه في بادي النظر لكنك خبير بفساده لأن مرجع القصر إلى أقل بشرط لا ومرجع المقام إلى أقلّ بشرط شيء لا لا بشرط فلا محالة يكون بينهما التباين وجواز العدول لا يدلّ على عدم تباينهما إذ ليس العدول في المقام إلا مثل العدول عن العصر إلى الظهر هذا كله مع أن الركعتين المخصوصتين باعتبار استحباب التسليم عقيبهما والخطبة كما في الجمعة تغايران أربع ركعات التمام والظهر كما لا يخفى [ في الفرق بين الأقل والأكثر في الشبهة الوجوبيّة وبينهما في الشبهة التحريميّة ] ( قوله ) واعلم أنّا لم نذكر في الشبهة التحريميّة من الشكّ في المكلّف به إلى آخره ( 2 ) ( أقول ) أما أصل جريان التقسيم بين الأقلّ والأكثر في دوران الأمر بين الحرام وغير الواجب كجريانه في دوران الأمر بين الواجب وغير الحرام فهو مما لا شبهة فيه أصلا وعدم التعرّض لحكمه في المطلب الأوّل إنما هو لما أفاده شيخنا الأستاذ العلّامة من رجوع الشكّ والدوران بينهما فيه إلى