ميرزا محمد حسن الآشتياني

133

بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )

الشكّ في أصل التكليف النفسي المستقلّ بالنسبة إلى الأقلّ حيث إن الأكثر معلوم الحرمة ولو من جهة اشتماله على الحرام والأقل مشكوك الحرمة من جهة احتمال كونه هو المركّب المحرّم فينحلّ العلم الإجمالي إلى معلوم ومشكوك بالشكّ البدوي فيدخل في الشكّ في التكليف الذي عرفت حكمه في المقام الأوّل وهذا بخلاف دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر في مفروض البحث فإن الأقلّ فيه متيقّن الوجوب وإنما الشكّ في وجوب الزائد بالوجوب الغيري والفرق أن وجوب الأكثر يستلزم وجوب الأقلّ من غير عكس وتحريم الأكثر لا يستلزم تحريم الأقل كما أن تحريم الأقل لا يستلزم تحريم الأكثر وإن كان الإتيان بالأكثر إتيانا بالحرام من حيث الاشتمال من غير أن يكون للحرام أثر بالنسبة إليه فيرجع الأمر حقيقة إلى تحريم الأقلّ المتحقق في ضمنه وهذا من جهة ما تقرّر في مسألة وجوب المقدّمة عندهم من أن وجوب الشيء يستلزم وجوب ما يتوقف عليه سيّما إذا كان من الأجزاء بخلاف تحريم الشيء فإنه لا يوجب تحريم مقدّماته إلّا المقدّمة السببيّة عند المشهور ولا ينافي هذا ما قضى به النص والفتوى من تحريم بعض الأفعال المقصود به ترتب الحرام عليه كغرس الخمر وبيع الخشب ليعمل صنما والمشي لسعاية مؤمن إلى غير ذلك مما لا يحصى فإن ذلك ليس من باب المقدّميّة والتحريم التبعي الغيري بل من حيث الإعانة والتحريم النفسي ضرورة استحالة اقتضاء المقدّميّة التحريم في حق غير فاعل الحرام كما هو الشأن بالنسبة إلى الواجب أيضا فهو خارج عن عنوان المسألة ورد التعبّد به خصوصا أو عموما نعم في كلام بعض من تأخّر الحكم بتحريم ما يتوقّف عليه الحرام مطلقا إذا كان الغرض منه التوصل إلى فعل الحرام وهو كما ترى مما لا يقتضيه العقل الحاكم في المسألة نعم لا بأس به على ما اختاره من حرمة التجرّي لكنّه بناء عليه أيضا يخرج عن عنوان الحرمة الغيريّة فهو يشبه قول بعض الأساطين بحرمة مقدّمة الحرام فيما قصد التوصّل بها إليه من حيث حرمة الإعانة على الإثم والحاصل أن القول بحرمة المقدّمة الغير السببيّة بالنسبة إلى الحرام مما لم يعهد وإلا لزم الحكم بحرمة أكثر الأفعال المباحة بالذات من حيث كونها مقدّمة لمحرّم من المحرّمات فإن كان وجوب المركب مستلزما لوجوب أجزائه وحرمة الأكثر غير مستلزمة لحرمة أجزائه كان الأقل عند دوران الأمر بين الأقل والأكثر في الأول متيقن الإلزام فيحكم العقل بوجوب الإتيان به من حيث العلم بكون تركه سببا لاستحقاق العقوبة وفي الثاني مشكوك التحريم رأسا فيرجع بالنسبة إليه إلى البراءة ( فإن قلت ) على القول بالرجوع إلى البراءة عند دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر في الواجب كما هو المختار وعليه المشهور على ما سيجيء في محلّه لا مناص من إرجاع الشك بالنسبة إلى الأكثر إلى الشك في أصل التكليف وإلا لم يكن معنى للرجوع إليها على ما ستقف عليه غاية الأمر رجوع الشكّ في الفرض بالنسبة إلى الأكثر إلى الشك في أصل التكليف وفي الدوران في الحرام بين الأقلّ والأكثر بالنسبة إلى الأقل إلى الشكّ في أصل التكليف وهذا لا يؤثر في جعل الأول من أقسام الشكّ في المكلّف به والثاني من أقسام الشك في التكليف بعد انحلال العلم الإجمالي فيهما إلى معلوم ومشكوك فلو لم يكن هذا الانحلال موجبا لخروج مورده عن الشكّ في المكلّف به لم يكن موجبا في المقامين وإن كان موجبا كان كذلك في المقامين فالفرق لا معنى له وأما الفرق بينهما برجوع الشك في تحريم الأقلّ إلى الشك في التحريم النفسي بخلاف الشكّ في وجوب الزائد فإنه يرجع إلى الشكّ في الوجوب الغيري ففاسد من حيث إن مورد البراءة الشكّ في وجوب الأكثر لا الجزء الزائد ووجوبه لا يكون إلّا نفسيّا كحرمة الأقل ( قلت ) الفرق بين الموضعين في غاية الظهور والوضوح على تقدير جعل مورد البراءة وجوب الأكثر لا الزائد فإن مجرى البراءة مطلق وجوب الأكثر لا خصوص النفسي وإن كان الثابت في الواقع على تقدير ثبوته هو النفسي ليس إلا إلا أنه لا يلاحظ بلحاظ النفسيّة عند الرجوع إلى البراءة فإن الوجوب المعلوم بالنسبة إلى الأقل هو مطلق الإلزام لا خصوص النفسي فإنه مشكوك الثبوت له كما أنه مشكوك الثبوت للأكثر أيضا فإن شئت قلت إن دوران الأمر في الحرام بين الأقل والأكثر كدوران الأمر في الواجب بين الأقلّ والأكثر الاستقلاليين في الخروج عن الشكّ في المكلّف به منتهى الأمر كون الأقل معلوم الوجوب في الفرض والأكثر معلوم الحرمة في الحرام المردّد ومن هنا لم يجعله الأستاذ العلّامة من صور الشك في المكلّف به مع أنه قد قيل بالرجوع إلى الاشتغال في بعض فروضه بل هو الظاهر عن الأكثر في دوران الفائتة على ما عرفت شرح القول فيه [ في حرمة المخالفة القطعيّة ] ( قوله ) أما الأول فالظاهر حرمة المخالفة القطعيّة إلى آخره ( 1 ) ( أقول ) لا يخفى عليك أن الحق في تحرير المقام أن يسلك ما سلكه في إثبات المطلب الثاني في إثبات المطلب الأوّل وبعد إثباته يتشبّث في إثبات المطلب بذيل حكم العقل المستقلّ بوجوب دفع العقاب المحتمل كما صنعه في إثبات الحرمة المخالفة القطعيّة في الشبهة المحصورة وغيرها وما أفاده وإن كان كافيا في إثبات المرام إلّا أنّا نتكلّم في حكم الموضعين بعض الكلام لعلّه يوجب توضيح المقام على أوائل الأفهام ( فنقول ) أما المخالفة القطعيّة فلا إشكال في قبحها وحرمتها على ما يشهد به ضرورة العقل بعد ملاحظة شمول الخطاب للمعلوم بالإجمال وعدم المانع من تنجّزه على المكلف ويحكم به العقلاء كافّة على التقدير المذكور ولعله ممّا لا خلاف فيه أصلا إذ المخالف إمّا يدّعي عدم شمول الخطاب أو المانع عنه بعد ثبوت المقتضي على ما ستقف عليه أما عموم الخطاب وشموله للمعلوم بالإجمال فلعدم إمكان تخصيص الخطابات الواقعيّة والأحكام النفس الأمريّة بالعالم بها تفصيلا سواء كان بجعل الحاكم وتخصيصه من أول الأمر وفي زمان الخطاب أو نصب الدليل عليه من الخارج من حيث لزوم الدور على تقدير التخصيص بأيّ وجه كان ضرورة تأخر العلم عن المعلوم فكيف يتوقّف المعلوم على العلم ومن هنا يعلم أنه لا اختصاص لما ذكرنا بالعلم التفصيلي بل هو جار في العلم الإجمالي أيضا حيث إن توقّف تعلّق الحكم الواقعي عليه موجب للدور أيضا ولذا ذكرنا في غير موضع من كلماتنا تبعا للعلامة قدس سره وغيره أن شرطيّة العلم للتكاليف في حكم العقل ليس على حدّ سائر الشروط كالقدرة والعقل والتميز في حكمه فإنها شروط لأصل تعلّق الحكم والعلم بالمعنى الأعمّ شرط لتنجّزه بل ما ذكرنا ليس مختصا بالعلم بل يجري بالنسبة إلى جميع الإدراكات من