المقريزي

240

إمتاع الأسماع

رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم مقنع في الحديد - ، فأقبل أسيد بن حضير ، وعيينة ماد رجليه ، فقال له : يا عين الهجرس ( 1 ) ، اقبض رجليك ، أتمد رجليك بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ والله لولا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنفذت حضينك بالرمح ! ثم قال : يا رسول الله صلى الله عليك ، إن كان أمرا من السماء فامض له ، وإن كان غير ذلك فوالله لا نعطيهم إلا السيف ، متى طمعتم بهذا منا ؟ فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فاستشارهما خفية ، فقالا ( 2 ) : إن كان هذا أمرا من السماء فامض له ، وإن كان أمرا لم تؤمر فيه ولك فيه هوى فسمع وطاعة ، وإن كان إنما هو الرأي فما لهم عندنا إلا السيف . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة فقلت أرضيهم ولا أقاتلهم . فقالا : يا رسول الله ، والله إن كانوا ليأكلون العلهز ( 3 ) في الجاهلية من الجهد ، ما طمعوا بهذا منا قط : أن يأخذوا ثمرة إلا بشراء أو قرى ! فحين أتانا الله بك وأكرمنا بك ، وهدانا بك ، نعطي الدنية ! لا نعطيهم أبدا إلا السيف . فقال صلى الله عليه وسلم : شق الكتاب . فشقه سعد ، فقام عيينة والحارث ، فقال صلى الله عليه وسلم : ارجعوا ، بيننا السيف : رافعا صوته . خبر نعيم بن مسعود الأشجعي في تخذيل الأحزاب وكان نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف بن ثعلبة الأشجعي صديقا لبني قريظة ، وقدم مع قومه من الأحزاب حين أجدب الجناب ( 4 ) وهلك الخف والكراع ( 5 ) ، فقذف الله في قلبه الإسلام . فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلا فأسلم ، فأمره أن يخذل الناس : وأذن له أن يقول ( 6 ) . فتوجه إلى بني قريظة ، وأشار عليهم ألا يقاتلوا مع قريش وغطفان حتى يأخذوا منهم رهنا من أشرافهم فقبلوا رأيه ، واستكتمهم مجيئه إليهم ، ثم جاء إلى أبي سفيان في رجال قريش ، وأعلمهم أن قريظة قد ندمت على ما كان منها ، وأنهم راسلوا محمدا بأنه يأخذون ( 7 ) من أشراف قريش وغطفان

--> ( 1 ) الهجرس : القرد والثعلب ، أو ولده ، والدب ، ويقال : فلان هجرس : لئيم ( المعجم الوسيط ) ج 2 ص 973 . ( 2 ) في ( خ ) ( فقال ) . ( 3 ) العلهز : طعام من الدم والوبر كان يتخذ في المجاعة ، ونبات ينبت في بلاد بني سليم . ( ترتيب القاموس ) ج 3 ص 303 ، 304 . ( 4 ) في ( خ ) ( أحدب الحباب ) وما أثبتناه من ( المغازي ) ج 2 ص 480 . ( 5 ) كناية عن هلاك الأفعال . ( 6 ) أي يقول ما يشاء في الحيلة والخدعة . ( 7 ) في ( خ ) ( يأخذوا ) .