السيد الخوئي
75
غاية المأمول
وحينئذ فقد ظهر جليّا أنّ نفس الأحكام يعني الاعتبارات لا مضادّة بينها ، وإنّما التضادّ إمّا في جهة عللها أو في جهة معلولها ، فننقل الكلام إلى الجمع بين الحكم الظاهري والحكم الواقعي ، فنقول : الحكم الظاهري والحكم الواقعي ليس بينهما تضادّ أصلا لا في مرتبة علل الأحكام ، لأنّ الحكم الواقعي قد أجمع العدليّة على كونه تابعا للمصلحة في متعلّقه ، وأمّا الحكم الظاهري فليس تابعا للمصلحة في المتعلّق فقد تكون مصلحته في نفس الجعل كمصلحة التسهيل على المكلّفين مثلا . وحينئذ فلو كان الحكم الواقعي الوجوب فهو ناشئ عن مصلحة في الفعل ، فلو كان الحكم الظاهري من جهة عدم الوصول الإباحة فليس معنى الإباحة أنّ هذا الفعل واقعا لا مصلحة فيه ولا مفسدة حتّى ينافي الوجوب الكاشف عن المصلحة في الفعل . كما أنّه لا مضادّة ولا منافاة بين الحكم الظاهري والواقعي في مرحلة الامتثال أيضا ، لأنّ الحكم الظاهري قد اخذ فيه الجهل بالحكم الواقعي والشكّ فيه ، وحينئذ فيستحيل أن يكونا واصلين إلى مرتبة الامتثال ، لأنّ وصول الحكم الواقعي يوجب ارتفاع موضوع الحكم الظاهري . ومن هنا ظهر أنّ قياس الآخوند « 1 » جريان الأصول في الشبهة البدويّة بجريان الأصول في العلم الإجمالي غير مستقيم ، لأنّه في الشبهة البدويّة لم يصل الحكم الواقعي إلى المكلّف فجاز جعل الحكم الظاهري ، بخلاف صورة العلم الإجمالي فإنّ الوصول متحقّق فيه فلا يمكن جعل الحكم الظاهري حينئذ أصلا ، ( لأنّ المناط الموجب لاستحالة الجعل هو أنّه مع وصول الحكم الواقعي لا يبقى موضوع الحكم الظاهري وهو الجهل بالحكم بخلاف صورة الشبهة البدويّة فإنّه لا وصول فيها للحكم .
--> ( 1 ) انظر الكفاية : 313 .