السيد الخوئي
454
غاية المأمول
وممّا يدلّ على ذلك أنّه لو لم يمكنه بعد ذلك الفحص ؛ لأنّ الدفتر احترق مثلا فلا يجب عليه الاحتياط قطعا ، وإنّما يسلّم المقدار المتيقّن ، ولو كان وجوب الفحص من باب العلم الإجمالي لوجب الاحتياط . الثاني : من وجهي الدليل العقلي المقيّد لإطلاق أدلّة البراءة الشرعيّة هو أن يقال : إنّ العقل كما يحكم بقبح العقاب بلا بيان يحكم على العبد بما هو عبد وبما أنّ له مولى ، وقد اعتاد ذلك المولى إيداع أحكامه في كتاب خاصّ ، فالعقل يحكم على ذلك العبد بلزوم مراجعة ذلك الكتاب عند كلّ مورد يشكّ في توجّه تكليف إليه من قبل ذلك المولى ، ولا يعذره العقل إذا ترك مراجعة ذلك الكتاب فاتّفق له ترك واجب لو رجع إلى ذلك الكتاب لاطّلع عليه . الدليل الرابع من أدلّة لزوم الفحص في جريان البراءة الشرعيّة هو الأخبار والآيات الدالّة على وجوب التعلّم ، فإنّها مثل قوله : فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ « 1 » ومثل قوله عليه السّلام « 2 » : « يؤتى بالعبد يوم القيمة فيقال له : لم لا عملت ؟ فيقول : ما علمت ، فيقال له : لم لا تعلّمت لتعمل ؟ » فإنّ غير المتفحّص لو أجرى البراءة بلا فحص يكون من مصاديق غير المتعلّم ، وهذه الأخبار أخصّ من أخبار البراءة فتقيّدها بلزوم الفحص . وبالجملة ، فلزوم الفحص في البراءة النقليّة كالعقليّة لازم ، ودليله إمّا الثاني من وجهي الدليل العقلي ، وإمّا هذا الوجه الرابع . وبهذا أيضا تقيّد إطلاقات أخبار الاستصحاب فيثبت لزوم الفحص فيه حيث تكون الشبهة حكميّة إن قلنا بجريان الاستصحاب في الأحكام الكليّة .
--> ( 1 ) الأنبياء : 7 . ( 2 ) أمالي الطوسي : 9 ، المجلس الأوّل ، وتفسير الصافي 2 : 169 .