السيد الخوئي
438
غاية المأمول
وتفصيل ما ذكرنا أنّ قوله صلّى اللّه عليه وآله : فأتوا ، من الأفعال المتعدّية بنفسها بمعنى أوجد ، وكما في قوله تعالى : وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ « 1 » بمعنى يوجدونها ، وحينئذ فمفعولها إمّا أن يكون الضمير في « منه » بدعوى زيادة « من » وحينئذ فيلزم الفصل بين الفعل ومفعوله ويكون حينئذ : ما استطعتم « ما » ظرفية أي مدّة استطاعتكم ، وهو إمّا غلط أو خلاف الظاهر فيلزم أن لا يكون الضمير في « منه » مفعولا لها ، وحينئذ فلا بدّ من أن يكون مفعولها هو قوله صلّى اللّه عليه وآله : « ما استطعتم » فيكون المعنى : فأتوا ما استطعتم منه ، فتكون « من » بيانيّة لما أستطيع الإتيان به ولكنّها لا تنافي التبعيض بالمعنى المتقدّم . فإذا كانت للتبعيض فالتبعيض يتصوّر بصورتين : الأولى : أن يكون التبعيض في الأفراد فيكون كلّ بعض ممّا ينطبق عليه عنوان الواجب كما في قولك : أكرم من العلماء ما استطعت ، فإنّ كلّ واحد من العلماء ممّا يصدق عليه جنس المأمور به ، وهذا التبعيض لا يحتاج إلى عناية أصلا ؛ لأنّ الفرد نفس ذلك العنوان منطبق عليه . الثانية : أن يكون التبعيض بلحاظ الأجزاء لا الجزئيّات ، وهذا التبعيض يحتاج إلى لحاظ المركّب كلّا وأنّه شيء واحد فتكون حينئذ أجزاؤه أبعاضا له وإلّا فالأجزاء غير المركّب ؛ لأنّ كلّ جزء لا ربط له بالجزء الآخر فيحتاج إلى لحاظ وحدة اعتباريّة تضمّ المجموع وتعتبره شيئا واحدا ، فيكون التبعيض بهذا المعنى الثاني محتاجا إلى زيادة مئونة ، فإذا كانت « من » تستعمل في كلّ من المعنيين فالمورد يكون هو المعيّن للمعنى . ولا ريب أنّ المورد في المقام هو النوع الأوّل من نوعي التبعيض ، فحمله على غيره موجب لخروج المورد عن معنى التبعيض ، وخروجه مستهجن في الكلام
--> ( 1 ) النساء : 15 .