محمد جواد مغنية
62
علم أصول الفقه في ثوبه الجديد
يطلب شيئا تنحصر مقدمات وجوده بالحرام إلا في ظروف استثنائية يتغلب فيها الأهم على المهم . ويأتي الكلام عن ذلك في محله ان شاء اللّه تعالى . وتجدر الإشارة إلى أن السبب الموجب لذكر هذه المسائل الثلاث هنا هو أن بعض الأعلام ذكرها في تقريراته بكلام طويل ومطلسم ، فآثرنا ذكرها عسى أن نلقي بعض الأضواء على ما أراد ، بالإضافة إلى أنها لا تخلو من الفائدة . الأمر لا يقتضي التوصل ولا التعبد كل ما ثبت وجوبه بدليل لفظي فالأصل فيه - بضميمة مقدمات الحكمة - الاطلاق حتى يثبت العكس ، ولكن بشرط أساسي وهو أن يكون تقييد الواجب ممكنا ، لأن الإطلاق لا يمكن إلا حيث يمكن التقييد - مثلا - إذا قال لك الشارع : أكرم الجار ، ثم شككت هل أراد الجار الصالح بالخصوص ، أو كل جار برا كان أم فاجرا - جاز لك في مثل هذه الحال أن تأخذ بظاهر الأمر وإطلاقه الشامل لكل جار دون استثناء ، لأن تقييد الجار بالصالح أو الطالح ممكن ، وتقسيمه اليهما جائز . أما إذا شككت في أن الشارع هل أوجب عليك الإكرام بقصد الطاعة وامتثال الأمر ، أو أوجبه مطلقا أيا كان الدافع والقصد ، أما إذا كان الشك كذلك فلا إطلاق للأمر من هذه الجهة كي تعتمد عليه وتأخذ به ، لأنه قبل ورود الأمر لا واجب حتى تقصد امتثال أمره ، وبعد ورود الأمر يوجد الواجب مجردا عن قصد الامتثال . وان قال قائل : نقصد امتثال الأمر المتعلق بالواجب من حيث هو لا من حيث كونه مأمورا به - قلنا في جوابه : أولا هذا خلاف الفرض لأن الفعل من حيث هو لا يتصف بالوجوب . ثانيا : ان الأمر لا يثبت بنفسه وجوب قصده وإلا كان أمرا ومأمورا به ، واجبا ووجوبا في آن واحد ! كيف ورتبة المأمور به متقدمة على الأمر وهو متأخر عنه ، والشيء الواحد لا يتقدم على نفسه أو يتأخر للزوم الدور المحال . وإذن فلا سبيل للشارع ان أراد من المكلف أن يفعل المأمور به بقصد الامتثال