محمد جواد مغنية
63
علم أصول الفقه في ثوبه الجديد
لا سبيل للشارع إلا بأن يصدر أمرين : أمرا بالفعل ، وأمرا بإتيان الفعل بقصد الطاعة ، ويقول هكذا : أكرم جارك ، وليكن إكرامك له بقصد الطاعة وامتثال الأمر ، وبهذا وحده يمكن تجنب المحذور . ويسمى الأمر الثاني بمتمم الجعل وبالجعل الثانوي ، وسبقت الإشارة إلى ذلك في فصل أصول الفقه . وتسأل : أجل ، ان الأمر يستحيل أن يدل بنفسه على أنه هو توصلي ، ولكن هل هناك طريق آخر نثبت به أن الأمر توصلي لا تعبدي ؟ الجواب : ان هذا الطريق موجود ، ويتلخص بأن الشارع لو أراد امتثال الأمر لصرح به في بيان ثان بعد أن امتنع عليه الاعتماد على الاطلاق لمكان الدور . فإن وجد هذا التصريح والبيان الذي أطلق عليه اسم متمم الجعل - فذاك وإلا نفيناه بإطلاق المقام أي السكوت عن البيان ، أو بأصل العدم مهما شئت فعبّر . وبهذه العملية تتحقق نتيجة الإطلاق من دونه أي يثبت التوصل دون الاعتماد على الأمر وإطلاقه . وتسأل : ان الاطلاقات اللفظية بكاملها تحتاج إلى هذه العملية ، وهي أن سكوت الشارع في مقام البيان يدل على الإطلاق وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة ، وإذن لا فرق بين الإطلاق المقامي أو السكوتي وبين إطلاق الأمر إلا في التسمية ؟ . الجواب : أولا : نسبنا الاطلاق هنا إلى عدم بيان الجعل الثانوي ، لأن نسبته إلى ظاهر الأمر مستحيلة في ذاتها كما أشرنا . ثانيا : ان طائفة من العلماء قالوا بأن ظاهر الأمر يقتضي التعبد ، وآخرين ذهبوا إلى أنه يقتضي التوصل ، ومنهم الشيخ الأنصاري حيث قال في مقدمة الواجب من تقريراته ما نصه بالحرف الواحد : « فالحق الحقيق بالتصديق هو أن ظاهر الأمر يقتضي التوصلية » . وهذا الاشتباه من الكبار قد ينخدع به التابعون لمجرد الاسم ، فوجب التنبيه .