محمد جواد مغنية

36

علم أصول الفقه في ثوبه الجديد

محل النزاع قلنا في الفصل السابق فقرة « الحقيقة الشرعية » : إن ألفاظ العبادات هي أسماء حقيقية للمسميات التي استحدثها الإسلام حسب شريعته . . ونشير الآن إلى أن هذه العبادات والمسميات تنقسم من حيث هي وبصرف النظر عن أمر الشارع بها ومراده لها ، تنقسم إلى صحيحة كالصلاة يقيمها المصلي على وجهها بلا زيادة أو نقصان ، وإلى باطلة كما لو ترك منها أو أضاف إليها ما يفسد ويبطل . . ولا أحد يشك حتى من نفى الحقيقة الشرعية - أن الشارع استعمل أسماء العبادة في كل من القسمين مثل « أَقِيمُوا الصَّلاةَ » * حيث أراد الصحيحة بلا ريب ، ومثل « لا تجزي صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب » حيث أطلق كلمة الصلاة على الناقصة الباطلة . وبعد الإشارة إلى هذا التقسيم نتساءل : قد ترد في كلام الشارع كلمة من ألفاظ العبادات ونعلم بأنه أراد المعنى الجديد الخاص لوجود الصارف عن المعنى اللغوي القديم ، أي مجرد الدعاء ، نعلم ذلك ومع هذا نشك هل أراد بكلمته هذه المعنى الصحيح بالخصوص ، أو الأعم منه ومن الفاسد ، ولا قرينة ترشدنا إلى إرادة أيهما على التعيين ، كما لو نهى عن المرور بين يدي المصلي ، ولا ندري هل أراد بنهيه صلاة من أداها صحيحة حتى إذا علمنا بفسادها جاز المرور ، أو أراد مطلق الصلاة حتى مع العلم بالفساد ، إذا كان الأمر كذلك فما ذا نصنع ؟ هل نحمل كلمة الشارع على المعنى الصحيح بالخصوص أو الأعم ؟ وتأتي الإشارة إلى الأقوال . هذا هو محل النزاع بين الأصوليين في أوضح صورة وأجمعها لأقوالهم وآرائهم في المسألة المعروفة بالصحيح والأعم . وبهذا يتبين معنا أنه يسوغ لمن نفى الحقيقة الشرعية وقال بأن ألفاظ العبادة لم تنقل عن معانيها القديمة ، يسوغ له أن يكون طرفا في محل النزاع في مسألة الصحيح والأعم ، وأن يختار ما يشاء ، لأنه يعترف ويسلم بأن الشارع قد استعمل أسماء العبادة الجديدة في الصحيح والفاسد مع القرينة تارة ، وتارة بلا قرينة ، وفي مثل هذه الحال ( أي إطلاق اللفظ بلا قرينة ) يسوغ لمن ينفي الحقيقة الشرعية أن يحمل لفظ الشارع على الصحيح فقط أو على الأعم أو يتوقف إن شاء .