محمد جواد مغنية

31

علم أصول الفقه في ثوبه الجديد

معاني الحروف ليس من شك ان الفقيه في أشد الحاجة إلى معرفة معاني الحروف ، لأن عليها مدار الكثير من مسائل الفقه واستنباط الأحكام من نصوص الكتاب والسنّة . ومن ذلك على سبيل المثال : قوله تعالى : « وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ - 6 المائدة » . ولولا مكان الباء في الآية لوجب مسح الرأس كله لا بعضه . وقوله : « فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ - 89 المائدة » حيث دلت « أو » ان الواجب من هذه الثلاثة واحد على التخيير ، فأيها فعل فقد امتثل ، والباقي قربة وتطوع . وقوله : « فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى - 9 الأعلى » فالشرط المدلول عليه ب « إن » ليس شرطا اصطلاحيا ، ولا قيدا للأمر بالنفع ، وانما هو ذم في صورة الشرط لمن لا ينتفع بالذكرى تماما كقولك للواعظ : عظ الطغاة ان سمعوا منك . . إلى كثير من آيات الأحكام وأحاديثها . وقد يقول قائل : أجل ، ان في آيات الأحكام وأحاديثها حروفا كثيرة ، والعلاقة بين معانيها وبين الاستنباط واضحة وقوية ، ولكن هذه العلاقة بالذات موجودة أيضا بين الاستنباط ومعاني الأسماء والأفعال التي وردت في النصوص الشرعية ، وهي أكثر عددا من الحروف أضعافا . ومن ذلك - أيضا لمجرد التمثيل - « كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ - 178 البقرة » . . « حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ - 3 المائدة » فكتب وحرم من الأفعال ، والقصاص والميتة الخ من الأسماء . والآيتان من آيات الأحكام . فلما ذا اهتم الأصوليون بمعاني الحروف دون الأفعال والأسماء ؟ أليس الكل بمنزلة سواء من حيث حاجة الفقيه إليها ، وتوقف الاستنباط عليها ؟ هذا ، إلى أن معاني المفردات من الأسماء والأفعال والحروف - تحددها وتبينها معاجم اللغة ومصطلحات العرف ، وأيضا كتب النحو بالنسبة إلى معاني الحروف ، وليس كتب الأصول . وأجيب عن هذا السؤال بأن حاجة الفقيه إلى العلم بمعاني الحروف أشد من