سيد ابراهيم الموسوي القزويني

59

ضوابط الأصول

بعد اضافتها إلى شيء آخر نقول الأصل بقاؤها على الوضع الاوّل والقول بأنه بعد اضافتها إلى شيء قد تحقق امر قطعا ولكن الشكّ في مخالفته للاوّل وموافقته مدفوع بان نتمسّك باستصحاب الوضع السّابق لا باصالة العدم حتّى يقال إن الشكّ في الحادث ولان المتبادر من المصادر المضاف هو الجنس لا الاستغراق ولأنه لا يطرد منه صحّة الاستثناء فيقبح فيصح ان يقال رايت اكل زيد الا اكله الفلاني وضربه الا ضربه الفلاني فعدم طرد الاستثناء دليل على عدم العموم الّا ان يقال إن عدم إفادة العموم في المثالين ونحوهما لأجل القرينة وهي ان عدم امكان الرؤية لكلّ الا كلّ دلّ على أن المراد ليس هو العموم فعدم الاطراد لأجل امر عارض لا لنفى إفادة العموم بالذات فت سلمنا إفادة المصدر المضاف العموم فنقول ان المراد في الآية إن كان العموم المجموعى فالمعنى انه يجب الحذر عن مخالفة كلّ الأوامر بمجموعها وهذا لا يستلزم الوجوب في كلّ امر إذ يحتمل كون الامر حقيقة في الندب ولكن ترك الأوامر بترك جميع الافراد يكشف عن التّهاون وعدم الاعتناء بالشّرع فلذا حرم ترك الجميع وإن كان الاستغراقي فمعناه وجوب الحذر عن كل فرد من افراد الأوامر ولكن ذلك أيضا لا يستلزم كون الامر من حيث هو للوجوب لاحتمال ان يكون من جهة امر وجوبي في البين لا يتحقق العلم بالامتثال به الا بعد الاتيان بالجميع فلذا وجب الجميع مقدّمة قلنا امّا الجواب عن منع العموم فبان المصدر المضاف وان لم يكن موضوعا للعموم لكن في الآية من جهة الوقوع بعد المستقبل يتبادر منه العموم وسريان الطّبيعة إلى كلّ فرد وامّا ما أورده بعد تسليم العموم فبان المراد في الآية ليس العموم الاستغراقي أو المجموعى حتّى يلزم ما تقول بل العموم البدلىّ ومعه يتم المط فان قلت الآية الشّريفة عن تثبت إرادة الوجوب من الأوامر لا وضع الامر للوجوب لا يقال بضميمة اصالة عدم القرينة يتم المطلوب لأنا نقول إن هذا الأصل يجرى بالنّسبة إلى الأوامر السّابقة لا اللاحقة لاحتمال كون نفس الآية قرينة فان الأصل يدفع القرائن التي هي غير الآية الشريفة وامّا الآية فلا يدفع بالأصل ويحتمل كونها قرينة لإرادة الوجوب من أوامره سواء كان من الامر حيث هو موضوعا للوجوب أو الندب أو مشتركا لفظيّا أم معنويّا قلنا إن المستفاد من الآية عرفا وجوب الحذر عن مطلق مخالفة الامر سواء كان الأوامر السّابقة أو اللّاحقة فنقول غاية في ما الباب صلاحيّة الآية لكونها قرينة للأوامر اللّاحقة وامّا السّابقة فلا فتدفع القرينة في الأوامر السابقة للأصل ويثبت كونها للوجوب في الأوامر اللّاحقة ويتمّ الوضع للوجوب بالاجماع المركب فان قلت إن الآية الشريفة انما أثبت كون أوامره تعالى أو أوامر رسوله ص للوجوب والمقصود اعمّ من ذلك قلنا لا مفصّل في المسألة فان قلت لو كان الامر موضوعا للوجوب لكان الآية تأكيدا أو لو لم يكن موضوعا لخصوص الوجوب لزم التأسيس وهو أولى من التّاكيد فالآية يقتضى كون الامر ليس لخصوص الوجوب قلنا نمنع أولوية التأسيس مط على الاطلاق أيضا وهذا من الأمور الاعتباريّة ولا دليل على اعتباره مع أنه لا يقاوم الأدلة المقدّمة ومن جملة ادلّة الوجوب قوله تعالى وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون فان المستفاد من السياق ان الذم لأجل مخالفة الامر ولازم الّا مع الوجوب فان قلت هذا يتمّ لو كان الكفار مكلّفين بالفروع وهذا فاسد لأنه تكليف بما لا يطاق لأنهم حين كفرهم لا يقدرون على الاتيان بالعبادة الصّحيحة المشروطة بالايمان مع انّه تكليف سفهي لا يصدر عن الحكيم إذ هو يعلم بعدم اتيان الكفّار بالفروع فلا ينفع امرهم بالفروع فيكون سفها فالمراد باركعوا أطيعوا وآمنوا وغير ذلك من التكاليف الاعتقادية فيكون ذم الكفار لأجل تركهم الايمان الواجب عقلا وان لم يرد امر فذلك لا يدلّ على كون الامر من حيث هو للوجوب لان القرينة العقلية موجودة قلنا الكفار مكلّفون بالفروع على التحقيق وليس تكليفا بما لا يطاق والا لزم كون التكليف بأصول الدين أيضا كذلك مع انا نقول إنهم مكلفون بالفروع حال الكفر لا بشرط الكفر فلا يلزم التكليف بما لا يطاق فالكفر ظرف للتّكليف لا المكلّف به وأيضا نقول لو لم يكونوا مكلفين بالفروع لكونهم فاقدين للشرط بل لزم ارتفاع التّكليف ولان المكلّف إذا كان مكلّفا بعد تحقق جميع الشرائط التي من جملتها العلم به لزم تحصيل الحاصل من الامر وإن كان مكلّفا قبل تحقّقها لزم التّكليف بما لا يطاق فما هو جوابكم فهو جوابنا وامّا الجواب عن لزوم السّفه فبالنقض أيضا بالتّكليف بالايمان الذي يعلم الحكيم بعدم صدوره عنهم أيضا وهذا التّكليف ابتلائى ساذج وهو عنه قبيح وأيضا لو كان مثل هذا التّكليف سفها لم يوجد التّكليف أصلا لانّه مع شرائطه موجود ومع عدمها مفقود فان قلت إنه يحتمل ان يكون المراد من الركوع الإطاعة لا الانحناء المخصوص فعلى هذا يكون الحاكم بالذم العقل القاطع فلا دلالة ح في الآية الشريفة قلنا حمل اركعوا بلا قرينة على معناه المجازى اللّغوى لا وجه له فباب هذا الاحتمال مسدود فان قلت لعل ذمّ الكفار في ترك الركوع ليس لأجل تركه من حيث هو ليكون الامر دالا على الوجوب بل لأجل تكذيبهم كما يشعر به قوله تعالى ويل يومئذ للمكذبين فيتوجّه الذمّ ح وإن كان الامر للندب فيسقط الدلالة قلنا إن هذا الاحتمال خلاف الظاهر لا يلتفت اليه فان الظاهر هو الاوّل مع انّا نقول إن المكذّبين امّا هم الّذين لا يركعون إذا أمروا به أم غيرهم فإن كان الاوّل فهم يستحقون الذم من الجهتين لان الكفار معاقبون بالفروع كالأصول وإن كان الثاني فلا معنى لذم التاركين للرّكوع الّا من جهة الترك ولا يذمّون هؤلاء لأجل تكذيب غيرهم إذ لا تزر وازرة وزر أخرى فان قلت نمنع وجود الحقيقة الشرعيّة للفظ الركوع فاللّفظ لا يحمل على المعنى الشرعىّ ولا على المعنى الحقيقي اللّغوى اعني مطلق الانحناء ولأنه غير معقول قطعا فلا بدّ من حمله على معنى أطيعوا أو اعترفوا أو آمنوا ولا ريب ان وجوب ذلك ثابت بالعقل والشّرع تأكيد فالآية مقترنة بالقرينة خالية عن الدّلالة على المط قلنا أولا ان الحقيقة الشرعيّة ثابتة فيه سلمنا لكن المجاز الراجح المشهور من المجازات هو المعنى الشرعي الآن صار منقولا اليه من المعنى اللّغوى فهذا يكشف عن انه كان أكثر استعمالا من المجاز الآخر ويبعد كلّ البعد حصول